فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 226

صفاء الضوي العدوي

الزهد في الدنيا والتجافي عنها، مع بذل الجهد في عمارة الأرض بالهدى والعدل والخير، والرغبة في الآخرة والسعي لها، وتقديم أمرها على أمر الدنيا، من القواعد الأصيلة، التي يتميز بها الفكر الإسلامي ويقدمها في اعتدال ووسطية، فلا انعزال عن الدنيا، يضيع الواجبات، ولا الإغراق في جمع حطامها حتى تقسو القلوب، ويُنسى أمرُ الآخرة.

على أن هذا المفهوم قد أصابه من التحريف والتزوير ما أصابه على أيدي العاطلين البطالين، أو المتصوفة المنحرفين، حتى غدا وصفًا للموات الذي يصيب الرجل فيقعد به عن العمل والكسب والمشاركة البناءة في إقامة المجتمع المسلم أو تقويته، ظنًا منه أن الزهد الصحيح الذي يدنيه من مرضاة الله ورحماته هو العزوف عن كل شيء من أمر الدنيا، وكف النفس عما أحل الله من الطيبات فيها، والانقطاع للعبادة من ذكر وصلاة، غافلًا عن هدي سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - ، وسيرة أصحابه الكرام - رضي الله عنهم -، في تحقيق المعنى الصحيح للزهد، وهو ألا تصبح الدنيا ومتاعها همّ المسلم، فينشغل عن العمل للآخرة، بل يأخذ من الدنيا نصيبه في اعتدال، ثم يقبل على أمر دينه فيجعله أكبر همه.

فلا يشك عاقل أن ما انتحله جهال المتزهدة من تعطيل الطاقات، والبطالة عن العمل البنّاء ليس من الإسلام، بل هو مما يرفضه الإسلام، ويعدّه مرضًا يحتاج إلى طب وعلاج.

وهنا نقول: وإن نفرًا من الداعين إلى الله، بل والمنتسبين إلى العلم، خاصموا الزهد بمعانيه المغلوطة، ومفهومه الخاطئ، على ما بينّا آنفًا، وهو رشد منهم وحق، إلا أنك تفتقده بمعانيه الصحيحة في حياتهم وسلوكهم وكتاباتهم وكأن معالم السيرة النبوية وأحداث التاريخ امّحت من ذاكرتهم، وهو خطأ منهم وقصور.

وهاك شرحًا يبين المعنى الصحيح للزهد كما ورد في الأحاديث الصحيحة فعن سهل بن سعد الساعدي قال"أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك"صحيح رواه ابن ماجة."

فقد اشتمل الحديث على وصيتين نبويتين عظيمتين؛ إحداهما الزهد في الدنيا، والثانية: الزهد فيما في أيدي الناس، فالأول مقتض لمحبة الله - تعالى -، والثاني مقتض لمحبة الناس.

والأحاديث في ذم الدنيا والتعلق بها، والانشغال بجمع فضولها عن أمر الآخرة كثيرة، ولهذا تواردت أقوال الأئمة وأهل العلم من السلف الصالح في التحذير من الاغترار بالدنيا والافتتان بزينتها، والحث على علو الهمّة والتجافي عن الدنيا، والانشغال بما هو أنفع وأبقى من العمل الصالح.

والزهد الحقيقي مداره على صحة اليقين بالله الرزاق، وقوة هذا اليقين، فمن كان قويَّ الإيمان، صحيحَ اليقين، وثق بالله في أموره كلها، وأحسن التوكل عليه، وترك المزاحمة على فضول الدنيا، وانشغل بمحابِّ الله - تعالى - من أنواع العبادة، فيما فتح الله له، من ذكر وصلاة، وصدقة، وعلم، وتعليم، ودعوة إلى الله، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجهاد في سبيل الله.

فإذا انشغل المرء بذلك ورضي بما قسم الله له من نعم الدنيا، ووطَّن نفسه على القناعة بما رزق منها وعلى التقلل من أمرها، في الطعام، واللباس، والمراكب، والرياسات المشتملة على حب الدنيا، والترفع فيها على الناس، ارتاح قلبه، وذلك أن الاستكثار منها مما يجلب الهمّ والغمّ.

على أن ما جاء من رئاساتها، مما تعيَّن على العبد القيام به، إذا كان ممن وهبه الله - تعالى - العلمَ، والصلاح، وقوة النفس، فعليه أن يقوم حيث أقامه الله - تعالى -، خدمةً للدين، وإصلاحًا للناس، ولا يقول: أزهد في الرياسة لما فيها من وجاهة، وزينة، وما تدعو إليه من التفاخر والكبر، بل يقبلها إن علم في نفسه مقدرة على الإصلاح والنفع، والسلامة من الظلم، والسكوت عن المنكرات، ونحو ذلك مما يضره في دينه، فإن خشي وقوع شيء من ذلك فلا يقبل، فالعاقل الموفق لا يعدل بالسلامة في دينه شيئًا، ولهذا قالوا: إنما الزهد في القلب، كما أُثر عن غير واحد من سلفنا الصالحين.

فحُسْن التوكل على الله - تعالى -، وصدق اليقين به - سبحانه - هو عين الغنى، فمن تحقق من ذلك كان زاهدًا، وكان غنيًا، وإن خلت يدُه من فضول الدنيا.

وليس وجود المال مع المرء مانعًا ومعارضًا لأن يكون زاهدًا في الدنيا، بل إنه يكون من الزاهدين إذا اكتسب ماله من الحلال، وأنفقه في محابّ الله، فوصل منه أرحامه، وأحسن إلى جيرانه، أو جهّز غازيًا، أو خلفه من هذا المال في أهله بخير، أو غير ذلك من وجوه البر والإحسان، فهذا زهد الراشدين العالمين؛ لا زهد الجاهلين، وقد سئل الإمام أحمد عمّن معه مال: هل يكون زاهدًا؟ فقال: إن كان لا يفرح بزيادته، ولا يحزن بنقصه.

ومراد أحمد - رحمه الله -، التنبيه على ألا يكون المال فتنة ينشغل المرء به؛ فيذهب معه عقله حيث ذهب، فيدور حول المال سرورُه وأحزانه، فينسى أمر الآخرة.

أما إذا فرح بالمزيد من الربح في تجارته لما يُمَكِّنه ذلك من زيادة العمل الصالح، والتقرب إلى الله - تعالى -، ففرحه بهذه النية هو من العمل الصالح، وكذا حزنه على تلف ماله، الذي يستغني به عما في أيدي الناس، ويكتفي به عن الوقوف بأبواب السلاطين، فيصون دينه عن النقص، فحزنه هذا ليس مذمومًا، بل المذموم ما كان حزنًا مجردًا على فوات الدنيا، لشدة تعلقه بها. وقد روي أن سفيان الثوري حزن على تجارة له غرقت، فعوتب في ذلك، فقال: إنما مالي قوام ديني.

فكل ما أصاب العبدُ في الدنيا من المال، يريد به الدنيا وتفاخرها وزينتها فهو متاع الغرور، لأنه يلهيه عن طلب الآخرة، وكل ما كان منها بلاغًا إلى ما هو خير منها، فليس بمذموم، وليس هو من متاع الغرور.

يقول أبو سليمان: ليس الزاهد من ألقى هموم الدنيا واستراح منها، إنما الزاهد من زهد في الدنيا، وتعب فيها للآخرة. فالزاهد في الدنيا على هذا النحو يحبه الله، والزاهد فيما في أيدي الناس يحبه الناس، فقد روي أن أعرابيًا سأل ناسًا من أهل البصرة: من سيد القوم في بلدكم؟ فقالوا: الحسن؛ أي البصري، فقال: بم سادهم؟ قالوا: احتاج الناسُ إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.

وقال ربيعة: رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها، ووضعها في حقها.

وقال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء. وقال: كان من دعائهم: اللهم زهِّدنا في الدنيا، ووسِّع علينا منها، ولا تزْوها عنا فترغِّبنا فيها.

وروى ابن أبي الدنيا في كتابه"اليقين"عن عمّار قوله: كفى بالموت واعظًا، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلًا.

وقال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (2/180) : قيل لأبي حازم الزاهد: ما مالُك؟ قال: لي مالان؛ لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس. اهـ

وقيل له: أما تخاف الفقر؟ فقال: أنا أخاف الفقر ومولاي]له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى[؟!

وقال الفضيل بن عياض: أصل الزهد الرضا عن الله، وقال: القنوع هو الزهد وهو الغنى.

ويبين ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (9/160) أن إضاعة المال بتضييعه وصرفه في غير محله، وذلك بأن يرميه في بحر أو يعطيه للناس من غير تمييز بين غني وفقير، كما يفعله بعض الجهال من المتزهدة ليس من الإسلام، ويقول: وحاصله أنه لا عبرة بالزهادة الظاهرة. اهـ

وهو يشير - رحمه الله - إلى ما اشتهر عن جهلة المتصوفة من إضاعة المال على النحو المذكور، اعتقادًا منهم أن إمساكهم للمال يقدح في الإيمان، ويفسد الولاية، وهذا من الجهل، ولو أنهم إذ رزقوا شيئًا من نعم الله، أمسكوا منها قدر حاجتهم، وحاجة أهليهم، ثم تقربوا بما زاد على ذلك إلى الله، بالتصدق بها في سبيل الله، لا رميها أو إتلافها لكان خيرًا لهم وأقوم، والله أعلم.

وفي الصحيحين أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - مرض فعاده النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعرض سعد على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتصدق بثلثي ماله، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا، فقال سعد: بالشطر فقال: لا ثم قال - صلى الله عليه وسلم -:"بالثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".

وعن أنس قال اشتكى سلمان فعاده سعد فرآه يبكي فقال له سعد ما يبكيك يا أخي أليس قد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ أليس أليس، قال سلمان: ما أبكي واحدة من اثنتين ما أبكي ضنًا للدنيا ولا كراهية للآخرة ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إليّ عهدًا فما أراني إلا قد تعديت، قال وما عهد إليك؟ قال: عهد إلي أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب، ولا أراني إلا قد تعديت، وأما أنت يا سعد فاتق الله عند حكمك إذا حكمت وعند قسمك إذا قسمت وعند همك إذا هممت. قال ثابت فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهما من نفقة كانت عنده.

فقول سلمان - رضي الله عنه - في هذا الحديث"فما أُراني إلا قد تعديت"هو من فرط خشيته لله - تعالى -، وعظيم فقهه في أن لنعم الله - تعالى - على العباد تبعاتٍ، وأنهم موقوفون بين يدي الله - تعالى - ومسئولون عنها، وهو أيضًا من تمام تواضعه - رضي الله عنه -، والنزول بنفسه عن منزلتها، هضمًا لها لتنهض إلى المزيد من الطاعة، والإقبال على الآخرة.

ولما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (6/235) قول ابن الجوزي عما تركه الزبير بن العوام - رضي الله عنه - من ثروة طائلة: فيه رد على من كره جمع الأموال الكثيرة من جهلة المتزهدين، قال الحافظ: وتعقب بأن هذا الكلام لا يناسب مقامه من حيث كونه أي ابن الجوزي - لهِجًا بالوعظ، فإن من شأن الواعظ التحريض على الزهد في الدنيا والتقلل منها، وكون مثل هذا لا يكره للزبير وأنظاره لا يطرد. اهـ

وروى الترمذي من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له"صحيح رواه الترمذي وابن ماجة.

وعن الأسود بن يزيد قال: قال عبد الله سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول: من جعل الهموم همًا واحدًا هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك"حديث حسن رواه ابن ماجة."

وعن أبي هريرة قال ولا أعلمه إلا قد رفعه قال: يقول الله - سبحانه: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك. وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلًا، ولم أسد فقرك"حديث صحيح رواه الترمذي وابن ماجة."

ففي هذه الأحاديث وعيد من الله شديد لمن كانت الدنيا أكبرَ همّه، فهو مقبل عليها بكليته، يجمع حطامها، في نهم لا ينقضي، منشغل بذلك عن الآخرة، فمن كانت هذه حاله، عوقب بشتات القلب، فلا يزال لاهثًا وراء المال والمناصب والشهوات، يعبّ منها، لكنه لا يشبع ولا يرتوي، ولا يكتفي، بل يظل في طلب المزيد، غافلًا عن أنه لا يأتيه إلا ما كتب الله له من الرزق، وأن حاله هذا هو عين الفقر، حيث لا تنتهي حاجته، ولا يحصل له الرضى بما جمع من المال، وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث:"وجعل فقره بين عينيه"

وفي المقابل حال الرجل الصالح الذي جعل الآخرة همّه، فهو في سعي دائم لتحصيل الحسنات، والوصول إلى مرضاة رب الأرض والسماوات، مع حُسن توكله على الله، فهذا يجمع الله له أمره، ويرزقه القناعة والرضى وغنى النفس، ويبارك له في ماله وصحته وأولاده، وهذا هو الغِنى الحقيقي.

فالمذموم في الأحاديث من أكبّ على الدنيا يجمع حطامها، في انقطاع عن الآخرة، أما من كان له تجارة ناجحة، يسعى في نمائها، وهو مؤمن، يعمل الصالحات، غيرَ غافل عن أمر آخرته، قائمًا بحق الله - تعالى - في ماله، فيخرج زكاته، ويتصدق في سبيل الله، فهو من الفريق الثاني الذي جعل الآخرة همه.

وفي الحديث القدسي:"يا ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ صدرك غنى.."بيان أن على المسلم أن يفرغ قلبه من كل شوائب الشرك بالله - تعالى -، وأن يكون قلبه مملوءًا بتوحيد الله - تعالى -، وأن يحقق العبودية له - سبحانه -، فلا يعبد سواه، إذ هو وحده المعبود بحق؛ إليه وحده الإنابة، وفيه وحده الرجاء، وعليه وحده التوكل، كما أن له وحده نركع ونسجد، قال - تعالى: ] قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له[كما تشتمل العبودية أيضًا في معناها على كل ما يلزم العبد من مقتضى العبودية، من الحب والخضوع والخوف، والطاعة والانقياد، والتسليم، والاحتكام إلى شرعه، فإذا حقق العبد هذا، وانشغل بعبادة ربه عن الانشغال بجمع الدنيا، واكتفى بالسعي المعتدل في كسب قوته، وهو واثق من أن رزقه سيأتيه، إيمانًا منه بالله الواحد الرزاق، ملأ الله - تعالى - صدره غنى وقناعة ورضى، وطيّب له حياته، وبارك له فيها، فإذا الضيقُ سَعة، والقليل كاف ومُشبع.

قال الطبري في تفسير قوله - تعالى: ]من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرًا [ فمعنى الآية: من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثواب الدنيا وجزاءها من عمله فإن الله مجازيه جزاءه في الدنيا من الدنيا، وجزاءه في الآخرة من العقاب والنكال، وذلك أن الله قادر على ذلك كله، وهو مالك جميعه كما قال في الآية الأخرى: ] من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون[. اهـ

ويقول ابن الجوزي في مواعظه: يا هذا! حب الدنيا أقتل من السمّ، وشرورُها أكثر من النمل. اهـ

وعن قيس قال: سمعت مستوردًا أخا بني فهر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه وأشار يحيى بالسبابة في اليم فلينظر بم ترجع"رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة.

وروى أحمد والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: اضطجع النبي - صلى الله عليه وسلم - على حصير، فأثر في جلده، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله لو كنتَ آذنتنا ففرشنا لك عليه شيئا يقيك منه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما أنا والدنيا، إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".

وعن سهل بن سعد قال كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها فقال:"أترون هذه هينة على صاحبها فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها قطرة أبدا"رواه ابن ماجة وهو صحيح.

وروى مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرّ بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كنفته فمر بجدي أسكّ ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال:"أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟"فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال:"أتحبون أنه لكم؟"قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه لأنه أسكّ، فكيف وهو ميت؟ فقال:"فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم". ومعنى"والناس كنفته"أي أنهم أحاطوا به من كل جانب، ومعنى أسكّ: صغير الأذنين أو مقطوعهما.

وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول:"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالما أو متعلما". وهو حديث حسن رواه الترمذي وابن ماجة عنه، والدارمي من حديث كعب.

وروى مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر".

وروى البخاري والترمذي وابن ماجة وأحمد عن ابن عمر قال أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض جسدي فقال:"يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب أو كأنك عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور".

ففي هذه الأحاديث تحقير أمر الدنيا، وتهوين شأنها، بجانب شأن الآخرة، فنعيم الدنيا قليل، زائل، يشوبه الكدَر، إذا سرّ المرءَ فيها أمرٌ، ساءته أمور، أما نعيم الآخرة فسرور كله، لا نكد فيه، ولا أحزان، وقد بيّن حديث المستورد أن متاع الدنيا كله وزينتها وزخرفها، لا يساوي شيئًا في أمر الآخرة إلا مثل ما لو غمس أحد إصبعه في البحر، فلينظر كم أخذ الإصبع من ماء البحر؟! لا شيء!، فكذلك نسبة متاع الدنيا إلى متاع الآخرة، وهو مثل ضرب للاعتبار، ليعلم العاقل، كم هو مغبون مَن باع الباقية بالفانية.

وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة المثلى والقدوة العظمى في نظرته إلى الدنيا، فلم يركن إليها، ولا تعلق بها، بل كان شأنه - صلى الله عليه وسلم - فيها كشأن الراكب المسافر، الذي استظل في طريقه تحت ظل شجرة، ثم قام يواصل سيره، فالدنيا أشبه بتلك الاستراحة العارضة، وكما أن المسافر ليس له همّ إلا الوصول إلى غايته، وهي منتهى سفره، فكذلك العاقل الموفق في الدنيا لا يتعلق بدنيا عارضة زائلة منشغلًا عن النعيم الخالد في الآخرة.

ومن مثال الراكب إلى مثال الشاة الميتة يضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - تبيينًا لحقارة الدنيا وهوانها على الله، يُنوِّع النبي - صلى الله عليه وسلم - في البيان ليرفع عن هذه الحقيقة كلَّ شبهة، ويزيل عنها كل لبس؛ حرصًا منه - صلى الله عليه وسلم - على إيصال الخير لأمته، وإنجائها من الوقوع في الغبن والخسارة. فكما لا يلتبس على أحد هوان الشاة الميتة ذات العيب على أصحابها، فكذلك لا ينبغي أن يلتبس على العاقل هوان الدنيا على الله.

فالدنيا ملعونة، أي أن ما كان من أمرها مقطوعَ الصلة بالله، والإيمان، والهُدى، والعلم النافع؛ الدال على الله؛ فهو مبعَدٌ عن الله؛ مطرود عن رحابه، لا يقدسه الله، ولا يأبه له.

وفي حديث أبي هريرة:"الدنيا سجن المؤمن"بيان أن الدنيا للمؤمن ليست هي الدار التي يمرح فيها ويستريح، وليست هي الدار التي يُطلِق فيها العِنان لرغباته، ويمدّ عينيه لكل ما تشتهيه نفسه وتتمناه؛ فكما تُقَيد حرية السجين، تقيد شهواتُ المسلم عن كل حرام، حتى إذا انقضت الدنيا، انفك المسلم، وانطلق في الجنة، ينتقي من صنوف النعيم والمتعة ما يشاء، قال - تعالى: (لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد) ، وفي المقابل فالدنيا جنة الكافر، فلا دين له يحجزه عن الحرام، ولا أخلاق تكفه عن المعاصي؛ يحسب نفسه في جنة من كثرة تقلبه في متاع الدنيا، وهو أيضًا ليس عنده حرج أو خوف من الله - تعالى - يُنَغِّص عليه ما هو فيه، فشأنه كما قال الله - تعالى: ] ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون[، ومن معاني الحديث أيضًا أن الدنيا للمؤمن كالسجن بالنسبة لما أعدّه الله له في الجنة من النعيم المقيم، كما أن الدنيا للكافر جنة بالنسبة لما ينتظره من العذاب والشقاء في الجحيم. ومع كل هذا البيان والوضوح، تأتي وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - بأن يكون في الدنيا كالغريب، أو عابر سبيل؛ يحثه على قصر الأمل في الدنيا، وألا ينبسط في متاعها، أو يتوسع في جمع حطامها، وأن يكون دائمًا مستعدًا للقاء الله - تعالى -، فإن من كان هذا حاله، اجتهد في الطاعة، وتجافى عن الدنيا، وأقبل على أمر الآخرة.

قال النووي في شرح حديث المستورد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ما مثل الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع" (9/212) : ومعناه: لا يعلق بها كثير شيء من الماء. ومعنى الحديث: ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قصر مدتها، وفناء لذاتها، ودوام الآخرة، ودوام لذاتها ونعيمها، إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر.

ونقل القرطبي في تفسيره لقول الله - تعالى - من سورة الزخرف (ولبيوتهم أبوابًا وسررًا عليها يتكئون. وزخرفًا) هذه الأشعار في تهوين شأن الدنيا:

فلو كانت الدنيا جزاءً لمحسن *** إذًا لم يكن فيها معاشٌ لظالم

لقد جاع فيها الأنبياءُ كرامةً *** وقد شبعتْ فيها بطونُ البهائم

وقال آخر:

تمتَّعْ من الأيام إن كنتَ حازمًا *** فإنك فيها بين ناهٍ وآمرِ

إذا أبقت الدنيا على المرء دينَه *** فما فاته منها فليس بضائر

فلا تزن الدنيا جناحَ بعوضةٍ *** ولا وزنَ رقٍ من جناحٍ لطائر

فلم يرض بالدنيا ثوابًا لمحسنٍ *** ولا رضي الدنيا عقابًا لكافر

وقال النووي في شرح مسلم (9/333) عند شرحه حديث"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر": معناه: أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا وانقلب إلى ما أعد الله - تعالى - له من النعيم الدائم والراحة الخالصة من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد. اهـ

وقال المناوي في فيض القدير (3/730) :"لأنه ممنوع من شهواتها المحرمة فكأنه في سجن، والكافر عكسه فكأنه في جنة."

وقال"سجن المؤمن"بالنسبة لما أُعدّ له في الآخرة من النعيم المقيم"وجنة للكافر"بالنسبة لما أمامه من عذاب الجحيم. اهـ

وقال في (3/733) : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها: يمكن أن يكون المراد بلعنها ملاذ شهواتها وجمع حطامها وما زين من حب النساء والبنين وقناطير الذهب والفضة وحب البقاء بها، فيكون قوله"ملعونة"، متروكة مبعدة متروك ما فيها واللعن الترك.

وقال: والدنيا ملعونة لأنها غرت النفوس بزهرتها ولذاتها وإمالتها عن العبودية إلى الهوى حتى سلكت غير طريق الهدى، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أي ما يحبه الله في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت