سلمان بن فهد العودة
على مدار التاريخ كله لم يحدث قط أن أنزل الله تعالى على الناس كتابا مسطورا يقرؤونه دون أن يكون ثمة رسول من البشر يحمله ويبلغه . بل كانت سنته تعالى أن يختار ويصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ، ويأمر هؤلاء الملائكة بتبليغ الوحي إلى المصطفى من البشر .
وكان الرسول البشري مكلفا بتبليغ الوحي إلى الناس ، وأن يكون هو أول الممتثلين إلى لأوامره و زواجره ، ولذلك كان شعيب عليه السلام يقول لقومه:"وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه".
وقد ختم المرسلين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - الذي كان مسك الختام وواسطة عقد النظام وكان موته - صلى الله عليه وسلم - يعني نهاية تنزل الوحي على بشر ، لقد انقطع بموته خبر السماء . وفي صحيح البخاري أن أبا بكر قال لعمر بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها"فلما جاءا إليها بكت فقالا لها:
ما يبكيك: أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟!
قالت: أما إني لا أبكي إني أعلم أن ما عند الله خير لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكني أبكي انقطاع الوحي من السماء !
فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها .
إنها امرأة فقيهة حقا ... إن فقد رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يكن سهلا عليها كيف وهي حاضنته ومن أقرب الناس إليه وكان عليه الصلاة والسلام يحبها ويتلطف معها ، وكان ابنها أسامة وزوجها زيد من أحب الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - بالذي يهون فقده . لكنها نظرت إلى الجانب الآخر ... الجانب الذي نظر إليه حسان بن ثابت وهو يقول في رثاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
فقدنا الوحي والتنزيل فينا يروح به ويغدو جبرائيل
ولكن فضل الله أدرك هذه الأمة الممتدة في أحقاب الزمن إلى يوم القيامة بأن جعل منها (( ورثة ) )يخلفون الأنبياء في العلم والتربية ويهدون الناس إلى الحق والعدل { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } إنهم إذا (( أمة ) )وليسوا آحادا معدودين .
وهذا معنى ما بشر به - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتواتر الذي جاء عن واحد وعشرين صحابيا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خافهم ، إلا ما يصيبهم من اللأواء ، حتى يأتي أمر الله ، وهم ظاهرون على الناس"، إنها منارات لا تغيب مهما أدلهم الظلام ، وأحلو لك الليل .
وهذا إيذان بامتناع هيمنة (( الجاهلية ) )المطلقة على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يستثنى من ذلك إلا الفترة اليسيرة التي تسبق قيام الساعة حين يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك ، كما ورد في سنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم وغيرهما عن حذيفة بسند صحيح .
فهو - من جهة - خبر عن أمر قدري آت لا محالة مهما أرجف المرجفون ، وتشكك المرتابون ولا يشك في هذا أحد لأنه خبر قطعي لا ريب فيه . ولكنه - من جهة ثانية - تكليف شرعي للأمة أن (( تكون ) )منها هذه الطائفة المجاهدة فهي من هذا الجانب كقوله تعالى: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } فالأمة (( مطالبة ) )شرعا بتكوين هذه الطائفة وتمكينها من القيام بعملها ومباشرة مهمتها الربانية . وما هي مهمتها الربانية ؟
أهي البقاء على الحق والالتزام بالسنة - قولا وفعلا واعتقادا فحسب ؟ أم هي أمر وراء ذلك وفوقه ؟ كلا ... إن مهمتها أعظم من ذلك .
فإن الفرقة التي تقنع بصلاح نفسها دون أن تنازل الباطل وتقارعه إنما تسمى (( ناجية ) )فحسب ، لأنها تجنبت طريق الهالكين من أهل الضلالة . أما هذه الطائفة فلم يصفها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمجرد النجاة والسلامة ، بل أطلق عليها وصفا ذا دلالة عميقة ، إنه (( الطائفة المنصورة الظاهرة ) ).
فهي أولا: (( طائفة ) )تلتف حول الحق وتدور معه حيث دار .
وهي ثانيا: (( ظاهرة ) )ليست خفية مستترة ، ولا ضعيفة مهزومة ، تخجل من الحق الذي معها فتسكت عنه أو تبدله .
وهي ثالثا: (( منصورة ) )وهذا يقتضي بداهة أنها (( مجاهدة ) )لأن النصر لا يعطى إلا للمجاهدين في ميدان الكلمة وفي ميدان الدعوة وفي ميدان السيف .
فهي الواجهة التي تقارع أرباب المذاهب المنحرفة وا
ــــــــــــــــــ