فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 226

سؤال:

عندما يتوب الإنسان يبدأ بداية قوية ويقول: إن الشيطان يأمرني بالتخفيف ، ويزيد من الطاعات ، ثم تبرد الهمة فيقول: ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ، وتخف الطاعات حتى يعود كما كان .

وسؤالي: ما هي النصيحة ؟ هل يبدأ بداية قوية أم بالتدريج حتى يثبت عليه ويزيد عليه بعد مدة أو يأخذ بالمقولة"إذا هبت رياحك فاغتنمها"؟.

الجواب:

الحمد لله

إن نعمة الهداية والتوبة من أعظم نعَم الله تعالى على المسلم ، وتغيير حاله للأحسن مما يقرِّبه إلى الله تعالى أكثر ، وفي العادة يُقبل التائب على الطاعة إقبالًا عظيمًا يحاول فيها تعويض ما فاته من العمر الذي قضاه في المعصية والضلال .

وهذا الأمر طبيعي بالنسبة لكل صادق في توبته ، وقد ذكَره نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، وبيَّن ما يحصل بعده من برود وفتور في الهمة ، وهذا أمر طبيعي أيضًا ، لكن الخطر على صاحب هذه التوبة أن يكون فتوره وبروده في تناقص مستمر إلى أن يرجع إلى حاله الأول ، ولذا كان من الواجب الانتباه إلى هذا الأمر ، وعلى التائب الطائع إذا فترت همته أن يقف عند الاعتدال والتوسط ، والتزام السنة ؛ ليحافظ على رأس ماله ، ويحسن الانطلاق مرة أخرى إلى الطاعة بقوة ونشاط ؛ لأن الانطلاق من التوسط خير من الانطلاق من الصفر .

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ ، فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ ) . رواه ابن حبان في"صحيحه" (1/187) ، وصححه الألباني في"صحيح الترغيب" (56) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلا تَعُدُّوهُ ) رواه الترمذي (2453) وحسَّنه الألباني في"صحيح الترغيب" (57) .

قال المباركفوري رحمه الله:

"قوله (إن لكل شيء شِرَّةً) أي: حرصا على الشيء ونشاطا ورغبة في الخير أو الشر ."

(ولكل شِرَّةٍ فَتْرَةً) أي: وهْنًا وضعفًا وسكونًا .

(فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ) أي: جعل صاحب الشرة عملَه متوسطًا ، وتجنب طرفي إفراط الشرة وتفريط الفترة .

(فَارْجُوهُ) أي: ارجو الفلاح منه ؛ فإنه يمكنه الدوام على الوسط , وأحب الأعمال إلى الله أدومها .

(وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ) أي: اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهورًا بالعبادة والزهد وسار مشهورًا مشارا إليه .

(فَلا تَعُدُّوهُ) أي: لا تعتدوا به ولا تحسبوه من الصالحين لكونه مرائيا , ولم يقل فلا ترجوه إشارة إلى أنه قد سقط ولم يمكنه تدارك ما فرط"انتهى ."

"تحفة الأحوذي" ( 7 / 126 ) .

ولكي يتجنب المسلم الإفراط والتفريط فعليه بالقصد ، وهو التوسط ، فلا يبالغ في فعل العبادة والطاعة ؛ لئلا يملَّ فيترك ، ولا يتركها كسلًا وتهاونًا لئلا يستمرئ الترك فلا يرجع ، وكلا الأمرين ذميم ، ومن توسط في الأمر سلك ، ومن سلك وصل إلى ما يحبه الله ويرضاه .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ . قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَلا أَنَا ، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا ، وَاغْدُوا ، وَرُوحُوا ، وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا ) . رواه البخاري (6098) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

"قوله: ( سددوا ) معناه: اقصدوا السداد أي: الصواب ."

قوله"وقاربوا"أي: لا تُفْرِطُوا (أي تشددوا) فتُجهدوا أنفسكم في العبادة ، لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فَتُفَرِّطُوا (أي تقصروا) .

قوله"واغدوا وروحوا وشيئا من الدلجة": والمراد بالغدو السير من أول النهار , وبالرواح السير من أول النصف الثاني من النهار , والدلجة: سير الليل ، يقال: سار دلجة من الليل أي ساعة ، فلذلك قال: ( شيء من الدلجة ) لعسر سير جميع الليل .

وفيه إشارة إلى الحث على الرفق في العبادة , وعبر بما يدل على السير لأن العابد كالسائر إلى محل إقامته وهو الجنة .

قوله"والقصدَ القصدَ"أي: الزموا الطريق الوسط المعتدل , واللفظ الثاني للتأكيد"انتهى باختصار ."

"فتح الباري" (11/297،) .

والخلاصة: ندعوك للتفكر في الأحاديث السابقة ، والتأمل في معناها ، واعلم أن التوبة بحاجة إلى شكر ، وأعظم الشكر أن تداوم على بقائها ، ولا يكون ذلك إلا بالمداومة على العمل والطاعة ، واعلم أن ( أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ) رواه البخاري ومسلم ، فلا تبدأ بقوة ولا تفتر بالمرَّة ، بل اقتصد في الطاعة ، وهذا في مقدورك ، وكلما رأيت من نفسك نشاطا فاجعله في طاعة الله ، وكلما رأيتَ فتورًا ومللًا فارجع إلى التوسط ، ونسأل الله أن ييسر أمرك ، ويهديك لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب

ــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت