المجيب ... خالد بن حسين بن عبد الرحمن
باحث شرعي.
التصنيف ... الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/الفتور وعلاجه
التاريخ ... 15/9/1424هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
شيخنا الفاضل: أرجو التكرم بكتابة رسالة لشخص كان ملتزمًا مع صحبة صالحة ثم ترك الالتزام، تدعوه فيها للرجوع للالتزام والرفقة الصالحة وتذكره بالآخرة، وأيضا لا يفوته فضل شهر رمضان. وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بحكمته وعدله، وهو على كل شيء قدير، والصلاة والسلام على الهادي البشير، والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد:
إلى الأخ: السائل: - حفظه الله تعالى- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بداية أشكر لك ثقتك البالغة واتصالك بنا عبر موقع الإسلام اليوم، ونتمنى منك دوام الاتصال والمراسلة على الموقع.
لقد قرأت رسالتك وسرني جدًا حرصك على تقديم النصح لهذا الأخ الذي انتكس على عقبيه واستبدل الذي هو أدني بالذي هو خير، نسأل الله لنا ولك ولجميع المسلمين الثبات حتى الممات، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور.
ولكن قبل الشروع في كتابة هذه النصيحة أود أن أتساءل معك بصفتك قريب من هذا الشخص المنتكس، ما هي الأسباب التي جعلته يترك الرفقة الصالحة ويذهب إلى غيرها، فمعرفة هذه الأسباب يساعدك كثيرًا في علاج المشكلة، والعمل على إرجاعه مرة أخرى إلى تلك الثلة المباركة - بإذن الله تعالى-
أما بالنسبة للنصيحة لهذا الشخص فمستعينًا بالله أقول:
أيها الأخ المبارك: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن من نظر إلى الدنيا بعين البصيرة لا بعين البصر المبهرج أيقن أن نعيمها ابتلاء، وحياتها عناء، وعيشتها نكد، وصفوها كدر، جديدها يبلى، وملكها يفنى، وودها منقطع، وخيرها ينتزع، والمتعلقون بها على وجل، فالدنيا إما نعمة زائلة، أو بلية نازلة، أو منية قاضية،"يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ" [غافر:39] .
أخي الكريم: هل تذكرت الموت وسكراته، وشدة هوله وكرباته، وشدة نزع الروح منك؟، فالموت كما قيل: أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض.
فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله، فالموت لا يخشى أحد ولا يبقي على أحد،ولا تأخذه شفقة على أحد، فقف مع نفسك وقفة صادقة وقل لها:
يا نفس قد أزف الرحيل *** وأظلك الخطب الجليل
فتأهبي يا نفس لا يلعب *** بك الأمل الطويل
فلتنزلن بمنزل ينسى *** الخليل فيه الخليل
وليركبن عليك فيه من *** الثرى ثقل ثقيل
قرن الفناء بنا جميعًا *** فلا يبقى العزيز ولا الذليل
أخي: هل تذكرت القبر وظلمته؟ وضيقه ووحشته؟، هل تذكرت ذلك المكان الضيق الذي يضم بين جوانبه جثث الموتى من عظيم وحقير؟ وحكيم وسفيه؟ وصالح وطالح؟ وبر وفاجر؟ فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار.
فيا أخي الحبيب: تخيل نفسك بعد ثلاثة أيام وأنت في قبرك، وقد جردت من الثياب وتوسدت التراب، وفارقت الأهل والأحباب وتركت الأصحاب، ولم يكن معك جليس ولا أنيس إلا عملك الذي قدمته في الدنيا، فماذا تحب أن تقدم لنفسك وأنت في زمن الإمهال حتى تجده في انتظارك يوم انتقالك إلى قبرك؟"يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ" [آل عمران:30] .
والله لو عاش الفتى في عمره *** ألفًا من الأعوام مالك أمره
متمتعًا فيها بكل لذيذة *** متلذذًا فيها بسكنى قصره
لا يعتريه الهم طول حياته *** كلا ولا ترد الهموم بصدره
ما كان ذلك كله في أن *** يفي فيها بأول ليلة في قبره
هل تذكرت أخي الكريم أول ليلة في القبر؟ حيث لا أنيس ولا جليس ولا صديق ولا رفيق ولا زوجة ولا أولاد، ولا أقارب، ولا أعوان،"ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ" [الأنعام:62] .
فارقت موضع مرقدي *** يومًا ففارقني السكون
القبر أول ليلة *** بالله قل ما يكون؟
أخي: هل تذكرت النفخ في الصور؟ والبعث يوم النشور؟ وتطاير الصحف؟ والعرض على الجبار - جل وجلاله-؟ والسؤال عن القليل والكثير؟ والصغير والكبير؟ والفتيل والقطمير؟ ونصب الموازين لمعرفة المقادير؟ ثم جواز الصراط، ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما بالسعادة وإما بالشقاوة،"فريق في الجنة وفريق في السعير" [الشورى: 7] ،"فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ" [هود:106-108] .
فيا أخي الكريم: من أي الفرقين تحب أن تكون؟ فجدير بمن الموت مصرعه، والتراب مضجعه والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره،والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، أن لا يكون له فكر إلا في ذلك، ولا استعداد إلا له.
فيا أخي الكريم: إن العمر قصير، والسفر طويل، والزاد قليل، والخطر محدق وكبير، والعبد بين حالين: حال قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه؟ وآجل قد بقى لا يدري ما الله قاض فيه؟.
فإذا كان الأمر كذلك، فعلى صاحب البصر النافذ أن يتزود من نفسه لنفسه، ومن حياته لموته، ومن شبابه لهرمه، ومن صحته لمرضه، ومن فراغه لشغله، ومن غناه لفقره، ومن قوته لضعفه، فما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار سوى الجنة أو النار،"فأما من ثقلت موازينه. فهو في عيشة راضية. وأما من خفت موازينه. فأمه هاوية. وما أدراك ما هيه. نار حامية" [القارعة: 6-11] ، فمن أصلح ما بينه وبين ربه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن صدق في سريرته حسنت علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه فلا بد من وقفة جادة وصادقة لمحاسبة النفس، فالمحاسبة الصادقة هي ما أورثت عملًا صادقًا ينجيك من هول المطلع.
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - بمنكبي فقال:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"فكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول:"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"أخرجه البخاري (6416) أتدري كم كان عُمْر عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما عندما قال له النبي ذلك كان عمره عشرون سنة!
فيا غافلًا عن مصيره، يا واقفًا مع تقصيره، سبقك أهل العزائم وأنت في بحر الغفلة عائم، قف على باب التوبة وقوف نادم، ونكس الرأس بذل وقل: أنا ظالم، وناد في الأسحار، مذنب وراحم، وتشبه بالصالحين إن لم تكن منهم وزاحم، وابعث بريح الزفرات سحاب ودمع ساجم، وقم في الدجى داعيًا، وقف على باب مولاك تائبًا، واستدرك من العمر ما بقي ودع اللهو جانبًا، وطلق الدنيا والمعاصي والمنكرات إن كنت للآخرة طالبًا.
أتراك بعدما ذقت حلاوة الطاعة والعبادة تعود إلى مرارة العصيان؟ أتراك بعدما ذقت لذة الأنس والقرب والمناجاة تعود إلى لوعة البعد والهجر والحرمان؟ أتراك بعدما صرت من حزب الرحمن تنقلب على عقبيك فتنضم إلى حزب الشيطان؟ أتراك بعدما حسبت في عداد المصلين تترك الصلاة وهي عماد الدين، والفارق بين الكفار والمؤمنين، وتكتب من الغافلين؟ هل يليق بك بعدما كنت برًا تقيًا أن تصبح جبارًا شقيًا؟ ما هكذا يكون المؤمن، بل ما هكذا يكون العاقل المتبصِّر.
قال تعالى:"وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا" [النحل: من الآية92] ، فإياك ثم إياك من نقض الغزل بعد غزله... أرأيت لو أن إنسانًا غزل غزلًا ثم صنع منه قميصًا أو ثوبًا جميلًا.. فلما نظر إليه وأعجبه ...جعل يقطع خيوط هذا الثوب وينقضها خيطًا خيطا وبدون سبب.. فماذا يقول عنه الناس؟...
فهذا حال من يرجع إلى المعاصي والفسق والمجون،ويترك الطاعات والأعمال الصالحة، وفعل الخير ومصاحبة الصالحين، فإياك أن تكون من هذا الصنف المغبون.
أخي الكريم: ما هي إلا أيام قلائل حتى تكتمل دورة الفلك، ويشرق على الدنيا كلها هلال شهر رمضان المبارك، الذي تهفو إليه قلوب المؤمنين، وتتشوق إليه نفوسهم، وتتطلع شوقًا إلى بلوغه، فإن بلوغ شهر رمضان أمنية غالية كان يتمناها النبي - - صلى الله عليه وسلم - ويسأل ربه أن يبلغه إياها، فعن أنس - رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل رجب يقول:"اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان"أخرجه البيهقي في الدعوات الكبير انظر المشكاة (1/432) (1369) .فشهر رمضان شهر مغفرة الذنوب، وستر العيوب، ومضاعفة الأجور، شهر تعتق فيه الرقاب من النيران، وتفتح فيه أبواب الجنان، شهر تتنزل فيه الرحمات وتتضاعف فيه الحسنات، شهر كله خير وأفضال، وفرصة للتنافس فيه بصالح الأقوال والأعمال والأفعال، شهر قد أظلنا زمانه، وأدركنا أوانه، قال فيه النبي - - صلى الله عليه وسلم - ملفتًا الأنظار إلى فضله، ويحث المخاطبين واللاحقين إلى اغتنام وقته فقال:"أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه برحمته،ويحط فيه الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه،ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل"قال الهيثمي في المجمع رواه الطبراني في الكبير فشهر هذا فضله وشرفه وقدره، وتلك منزلته، وعلو مكانته عند الله فقل لي بالله عليك: كيف يستقبل هذا الوافد الكريم، وهذا الشهر العظيم؟
أخي: إن من نعم الله عليك العظيمة أن مدَّ في عمرك وجعلك تدرك هذا الشهر العظيم، فكم غيِّب الموت من صاحب،ووارى الثرى من حبيب، فإن طول العمر والبقاء على قيد الحياة فرصة للتزود من الطاعات، والتقرب إلى الله - عز وجل- بالعمل الصالح، فرأس مال المسلم هو عمره، لذا فاحرص على أوقاتك وساعاتك حتى لا تضيع هباءً منثورًا، وتذكر من صام معك العام الماضي، وصلى معك العيد، أين هو الآن بعد أن غيَّبه الموت؟ وتخيل أنه خرج إلى الدنيا مرة أخرى فماذا يصنع؟ هل سيسارع إلى المعاصي والمنكرات؟ أو ينغمس في مستنقع الشهوات والملذات؟ أو سيحرص على فعل المحرمات وارتكاب الكبائر والموبقات؟ كلا والله، بل سيبحث عن حسنة واحدة، ولو بتكبير أو تهليل أو تسبيح، فإن الحساب شديد، والميزان دقيق،"فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره" [الزلزلة: 7-8] .
فيا أخي الكريم: أنا أدعوك وأدعو نفسي وكل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها بأن نفتح صفحة جديدة بيضاء ناصعة مع ربنا وخالقنا، وأن نسدل الستار على ماض نسيناه وأحصاه الله علينا، وأن نتوب -ومن الآن- إلى الله التواب الرحيم من كل ذنب وتقصير وخطيئة، وأن لا ندع هذه الفرصة العظيمة تفوتنا، فهذا رمضان موسم خصب من مواسم العمل الصالح، والتنافس في الخيرات والإكثار من النوافل والصدقات، وغيرها من القربات التي تقربنا من المولى - جل جلاله- ثم إلى متى الغفلة والتسويف؟ وطول الأمل؟ واتباع النفس والهوى والشيطان؟.
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب
نعم صدق الله إذ يقول:"وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" [آل عمران: 185] .
هذا والله أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ــــــــــــــــــ