الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا ، وداعيًا ، إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأحمده -تعالى- وأشكره وأكبره تكبيرًا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وعلى كل من سار على نهجه ودعا بدعوته وسلم تسليمًا كثيرًا
أما بعد - أيها الناس - إن المجتمع البشري اليوم - وللأسف يتجاذبه موجات إلحاد وعواصف تبشير ، ويفتح أمامه دعاة الشر والفساد سبلًا جائرة حائدة عن الحق ومجانبة للصواب، فلئن كان محتاجًا إلى الدعوة إلى الله وإلى سبيله العادلة، وصراطه المستقيم في كل وقت كاحتياجه إلى الماء والهواء - فإنه اليوم أحوج ما يكون إلى ذلك . فمن حائر به يحتاج إلى بيان، ومن غافل يحتاج إلى تنبيه، ومن معاند يحتاج المجادلة بالتي هي أحسن - وإنّ افضل وسيلة لإنقاذه ، وأجلَّ صفة ، وأحسن وسيلة تلحق المؤمن بركب الأنبياء ، وتحله مكانة عالية في عالم السعداء، هي دعوة الناس إلى الخير على هدى وبصيرة، دعوتهم إلى سبيل الله الذي هو دينه الذي لا يقبل من أحد دينًا سواه، دعوة يزينها عمل صالح وقول صادق، ونيةحسنة، وإعلان للعقيدة والحق ، مهما كانت الأحوال أو قست الظروف . يقول تعالى: {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين}
فيا ورثة الأنبياء ، وخلفاء الله في أرضه، وأمناءه على تبليغ رسالة نبيه إلى الإنسانية، إنَّ داعي الخير قد دعاكم إلى إنقاذ البشرية بدعوتها إلى الفضيلة، إلى البر والتقى ، إلى الخير والهدى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة بالحكمة والمعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} . { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ن وألئك هم المفلحون} .
وإن هذه الدعوة، دعوة الناس إلى سبيل الله الذي هو دين الإسلام التي أمرنا الله بها ، هي دعوة الله تعالى: {والله يدعو إلى دار السلام ، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} . ودعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام ، ودعوة أتباع الرسل رضوان الله عليهم: { قل هذه سبيلي ، أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعي }
فاتقوا الله - أيها المسلمون - أيها العلماء - واستجيبوا لما دعاكم الله له من دعوة الناس إلى الخير كل بحسبه، فما قُبل الدين سلفًا وظَهَر إلا بالدعوة إليه، وإظهاره للأمة في أبهى صورة، وأروع منظر، وما خلد لأي شخص في الدنيا ائتمام أو ذِكر مثل ما خلد للدعاة الإسلاميين من ذكر حسن، وثناء عطر.
فاتقوا الله أيها المسلمون - اتقوا الله يا ذوي العلم والبصيرة- بدعوة الناس إلى التمسك بتعاليم الدين، والتخلق بأخلاق سيد المرسلين ، دعوة ملؤها الإخلاص وحب هدايه الآخرين. قال عليه الصلاة والسلام: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم) ، دعوة متمشية مع قول الله تعالى: { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} شعارها قول صادق ، وعمل مخلص ، وبصيرة نيرة، وأساليبها تتمشى مع أساليب الدعوة الأولى، حسب حال الداعي والمدعو، كمخاطبة الجاحد والمعاند على ضوء: {وإنا أو إياكم لعلى هدىً ، أو في ضلال مبين} ، {قل فاتوا بكتاب من عند الله ، هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين} .
وليحذر الداعية - أو الآمر بالمعروف ، أو الناهي عن المنكر أن يخالف فعله قوله، فذلكم رد لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} .
ويقول الشاعر الحكيم:
لا تنه عن خلق وتأتي مثلَه *** عار عليك إذا فعلت عظيم
ثم ليعلم أن الدعوة إلى الله ليست مقصورة على كلمة تُقال في اجتماع أو من منبر فحسب، ولكنها تربية وتعليم ، وتخطيط لتقوية الدين وتنظيم، وأمر ونهي، وبيان وتنبيه، ومجادلة بالتي هي أحسن، وطَرْقٌ لكل باب، وتسخير لكل وسيلة: بلاغ وأداء من إذاعة وصحافة ومنبر ومدرسة وبيت، وبداية بالأهم فالأهم، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمين: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) .
فإلى هذه الفضيلة -أيها المسلمون-، فضيلة الدعوة إلى الله وإلى كتابه وسنة رسوله، إلى وظيفة الأنبياء ، إلى خير وسيلة تلحقكم بركب السعداء . قرأ الحسن البصري - رحمه الله - قول الله تعالى: { ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين} فقال: هذا حبيب الله ، ولي الله ، هذا صفوة الله ، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله .
أقول قولي هذا، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يهدون بالحق، وبه يعدلون، وأن يهب لنا من أزواجنا، وذرياتنا قرة أعين ، ويجعلنا للمتقين إمامًا ، تعالى خير مسؤول غفور رحيم .
عبد الله بن حسن القعود
الباب الثاني
فتور الهمة أسبابه وعلاجه
معناه:
لغة: يطلق الفتور على معنيين:
أ) الانقطاع بعد الاستمرار أو السكون بعد الحركة .
ب)الكسل أو التراخي أو التباطؤ بعد النشاط والجد .
جاء في لسان العرب:
( وفتر الشيء ، والحر ، وفلان يفتر ، ويفتر فتورًا وفتارًا: سكن بعد حدة ولان بعد شدة ) .
اصطلاحا: أما في الاصطلاح فهو داء يمكن أن يصيب بعض العاملين بل قد يصيبهم بالفعل . أدناه: الكسل أو التراخي أو التباطؤ . وأعلاه: الانقطاع أو السكون بعد النشاط الدائب والحركة المستمرة
قال تعالى عن الملائكة:
{ وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون } .
أي (أنهم في عبادة دائمة ينزهون الله عما لا يليق به ويصلون ويذكرون الله ليل نهار لا يضعفون ولا يسأمون ) .
أسبابه:
ويمكن أن يدخل الفتور إلى النفس بسبب من الأسباب التالية:
() الغلو والتشدد في الدين: بالانهماك في الطاعات وحرمان البدن حقه من الراحة والطيبات فإن هذا من شأنه أن يؤدى إلى الضعف أو السأم والملل وبالتالي: الانقطاع والترك بل ربما أدى إلى سلوك طريق أخرى عكس الطريق التي كان عليها فينتقل العامل من الإفراط إلى التفريط ومن التشدد إلى التسيب وهذا أمر بديهي إذ للإنسان طاقة محدودة فإذا تجاوزها اعتراه الفتور فيكسل أو ينقطع ولعل ذلك هو السر في تحذير الإسلام الشديد ونهيه الصريح عن الغلو ، والتنطع ، والتشديد إذ يقول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ( إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين ) ، ( هلك المتنطعون ) قالها ثلاث يعنى: المتعمقين المجاوزين الحدود في أقوالهم أفعالهم.
( لا تشددوا على أنفسكم ، فيشدد عليكم ، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد عليهم ، فتلك بقاياهم في الصوامع ، والديارات - رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) ، ( إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه .... )
وعن أنس رضى الله عنه - قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - في السر ، فلما أخبروها كأنهم تقالوها ، وقالوا أين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلى الليل أبدًا ، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم فقال:
( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم إلى لله وأتقاكم له ، لكنى أصوم وأفطر ، وأصلى وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس منى ) ، وعن عائشة رضى الله تعالى عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة ، فقال من هذه ؟ قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها ، قال:0 مه عليكم بما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا ) وكان أحب الدين ما داوم صاحبه عليه ) ، ( اكفلوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ )
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما - قال: كانت مولاة للنبي - صلى الله عليه وسلم - تصوم النهار ، وتقوم الليل ، فقيل له: إنها تصوم النهار وتقوم الليل فقال - صلى الله عليه وسلم -: ( إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة ، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل )
2-السرف ومجاوزة الحد في تعاطى المباحات:
فإن هذا من شأنه أن يؤدى إلى السمنة وضخامة البدن ، وسيطرة الشهوات ، وبالتالي التثاقل ، و الكسل و التراخي ، إن لم يكن الانقطاع و القعود ، ولعل ذلك هو السر في نهي الله ورسوله ، وتحذيرهما من السرف ، قال تعالى: { يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه ... ) (1)
وقد أدرك سلف الأمة ما يصنعه السرف و التوسع في المباحات بصاحبه ، فحذروا منه ، إذ تقول أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها -: ( أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع ، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم ، فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم ) (2)
وإذا يقول عمر - رضى الله تعالى عنه -: ( إياكم و البطنة في الطعام و الشراب ، فإنها مفسدة للجسد ، مورثة للسقم ، مكسلة عن الصلاة ، وعليكم بالقصد فيهما ، فإنه أصلح للجسد ، وابعد من السرف ،وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين ، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه ) (3)
وإذ يقول أبو سلمان الدارانى: ( من شبع دخل عليه ست آفات: فقد حلاوة المناجاة ، وحرمان الشفقة على الخلق - لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباع - وثقل العبادة - وزيادة الشهوات ، وأن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد ، والشباع يدورون حول المزابل ) . (4)
(1) أخرجه الترمذى
(2) أورده المنذرى في الترغيب و الترهيب
(3) أورده علاء الدين في: كنز العمال
(4) أورده الغزالي في إحياء علوم الدين
3-مفارقة الجماعة ، وإيثار حياة العزلة و التفرد: ذلك أن الطريق طويلة الأبعاد ، متعددة المراحل ، كثيرة العقبات في حاجة إلى تجديد ، فإذا سارها المسلم مع الجماعة ، وجد نفسه دومًا ، متجدد النشاط ، قوى الإرادة ، صادق العزيمة ، أما إذا شذّ عن الجماعة وفارقها ، فإنه سيفقد من يجدد نشاطه ، ويقوى إرادته ، ويحرك همته ، ويذكره بربه فيسأم ويمل ، وبالتالي يتراخى ويتباطأ ، إن لم ينقطع ويقعد.
ولعل هذا بعض السر في حرص الإسلام وتأكيده وتشديده على الجماعة ، وتحذيره من مفرقتها ، و الشذوذ عنها إذ يقول الله تعالى { واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا }
{ وتعاونوا على البر و التقوى ولا تعاونوا على الإثم و العدوان ...}
{ وأطيعوا الله ورسوله ، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ... }
{ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ، وأولئك لهم عذاب عظيم }
وإذ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -
( .... عليكم بالجماعة ،وإياكم و الفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ) (1)
( من فارق الجماعة شبرًا ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ) (2)
( وآمركم بالسمع و الطاعة ، و الهجرة و الجهاد ، و الجماعة ، فإن من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا كانت ميتته ميتة جاهلية ) (3)
( الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، أعظم أجرًا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) (4)
وقد أدرك سلف الأمة ذلك فلزموا الجماعة ، ورغبوا فيها ، وأكدوا عليها ، يقول علىّ رضى الله عنه:_ ( كدر الجماعة خير من صفو الفرد )
ويقول عبد الله بن المبارك:
لولا الجماعة ما كانت لنا سبل ... ... ولكان أضعفنا نهبًا لأقوانا
4-قلة تذكر الموت و الدار الآخرة:
(1) أخرجه الترمذى
(2) أخرجه البخاري
(3) أخرجه أحمد
(4) أخرجه مسلم
فإن ذلك من شأنه أن يؤدى إلى فتور الإرادة ، وضعف العزيمة ، وبطء النشاط و الحركة ، بل قد يؤدى إلى الوقوف والانقطاع ، ولعلنا في ضوء هذا نفهم الحكمة من أمره - صلى الله عليه وسلم - بزيارة القبور بعد النهي و التحذير ، إذ يقول: ( إني نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإن فيها عبرة ) (1) وفي رواية: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروا القبور ، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة ) كما نفهم الحكمة من حضه - صلى الله عليه وسلم - من تذكر الموت ، وانتهاء الأجل إذ يقول:
( أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء ، فقال رجل: يا رسول الله إنا نستحي من الله تعالى ؟ فقال: من كان منكم مستحييًا فلا يبيتن ليلة إلا وأجله بين عينيه ، وليحفظ البطن وما حوى و الرأس وما وعى وليذكر الموت و البلى ، وليترك زينة الدنيا ) (2)
5-التقصير في عمل اليوم و الليلة:
مثل النوم عن الصلاة المكتوبة بسبب السمر الذي لا مبرر له بعد العشاء ، ومثل إهمال بعض النوافل الراتبة ، وترك قيام الليل ، أو صلاة الضحى ، أو تلاوة القرآن ، أو الذكر أو الدعاء ، أو الاستغفار ، أو التخلف عن الذهاب إلى المسجد ، أو عدم حضور الجماعة بدون عذر ، فكل ذلك وأمثاله له عقوبات ، وأدنى هذه العقوبات: الفتور بأن يكسل ويتثاقل أو ينقطع ويتوقف .
وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثه إلى شئ من هذا إذ يقول:
( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد: يضرب كل عقدة ، عليك ليل طويل فارقد ، فإن استيقظ وذكر الله انحلت عقدة ، وإن توضأ انحلت عقدة ، فإن صلى انحلت عقدة ، فأصبح نشيطًا طيب النفس ، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ) (3)
(1) أخرجه الترمذى
(2) أخرجه ابن ماجه
(3) متفق عليه
6-دخول جوفه شئ محرم أو به شبهة: إما بسبب تقصيره وعدم إتقانه للعمل اليومي الذي يتعيش منه ، وإما بسبب تعامله فيما نسميه شبهة ، وإما بسبب غير ذلك ، فمثل هذا يعاقب من سيده ومولاه ، وأدني عقاب في الدنيا ، أن يفتر فيقعد ويرقد عن الطاعات ، أو على الأقل يكسل ويتثاقل فلا يجد للقيام لذة ، ولا للمناجاة حلاوة .
ولعل هذا هو سر دعوة الإسلام إلى أكل الحلال وتحريه ، والابتعاد عن الحرام ، وما كانت به أدنى شبهة، إذ يقول الله عز وجل:
{ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، إنه لكم عدو مبين }
{ فكلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون }
{ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا ، إني بما تعملون عليم }
وإذ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( كل جسد نبت من سحت - أي من حرام - فالنار أولى به )
، ( الحلال بين و الحرام بين وبينهما أمور مشتبهة فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك ، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم ، أوشك أن يواقع ما استبان ، و المعاصي حمى الله ، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ) (1) (دعما يريبك إلى ما لا يريبك ) ، ويربى النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عمليًا على ذلك حين يجد تمرة في الطريق ويرفض أكلها قائلًا: ( لولا أنى أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها )
وعلى هذا المنهج سار سلف الأمة ، فكانوا يفتشون ويتحرون عن كل ما يتعلق بحياتهم من الطعام و الشراب واللباس و المركب .... الخ وإذا وجدوا شيئًا شابته شائبة أو أدنى شبهة اجتنبوه ، مخافة أن يجرهم إلى الحرام ، فتفسد قلوبهم ، فيحرموا العمل أو يحرموا قبوله .
(1) متفق عليه
عن عائشة - رضى الله تعالى عنها - قالت: ( كان لأبى بكر الصديق - رضى الله تعالى عنه - غلام يخرج له الخراج ، فجاء في يوم بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: أتدرى ما هذا ؟ فقال أبو بكر وما هو ؟ ؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية ، وما أحسن الكهانة ، إلا أنى خدعته ، فلقيني ، فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منه ، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شئ أكله ) (1)
7-اقتصار العامل على جانب واحد من جوانب الدين: كأن يجعل همه العقيدة فحسب ، ملغيًا كل شئ غيرها من حسابه ، أو يجعل همه الشعائر التعبدية ، تاركًا كل ما سواها ، أو يقتصر على فعل الخيرات وراعية الآداب الاجتماعية ، غاضًا الطرف عما عداها فكل هؤلاء وأمثالهم تأتى عليهم أوقات يصابون فيها لا محالة بالفتور ، وهذا أمر بديهي ، نظرًا لأن دين الله موضوع لاستيعاب الحياة كلها ، فإذا اقتصر واحد من الناس على بعضه فكأنما أراد أن يحيا بعض الحياة ، لا كل الحياة ، ثم إذا بلغ الذروة في هذا البعض يتساءل: وماذا بعد ؟ فلا يجد جوابًا سوى الفتور إما بالعجز وإما بالكسل .
ولعل ذلك هو أحد أسرار الدعوة إلى أخذ منهج الله كلًا بلا تبعيض ، ولا تجزيء:
{ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } ،أي اعملوا بجميع شعب الإيمان ، وشرائع الإسلام ، ولا تسيروا خلف الشيطان ، لما يكنه لكم من العداوة و البغضاء فيصرفكم عن منهج الله بالكلية ، أو عن بعضه فتفتروا وتضيعوا ....
(1) أخرجه البخاري
8-الغفلة عن سنن الله في الكون و الحياة: فإننا نرى صنفًا من العاملين لدين الله يريد أن يغير المجتمع كله - أفكاره ومشاعره ،وتقاليده وأخلاقه وأنظمته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في يوم وليلة بأساليب ووسائل هي إلى الوهم والخيال أقرب منها إلى الحقيقة و الواقع ، مع شجاعة وجرأة وفية ، لا تستكثر تضحية وإن غلت ، ولا تعبأ بالموت سعت إليه أو سعى إليها ، ولا تهتم بالنتائج أيًا كانت ، ما دامت نيتها لله ، وما دام هدفها إعلاء كلمة الله ، غير واضعين في حسابهم سنن الله في الكون و الحياة: من ضرورة التدرج في العمل ، ومن أن الغلبة إنما تكون للأتقى ، فإذا لم يكن فللأقوى ، ومن أن لكل شئ أجلا مسمى لا يقدم ولا يؤخر .... الخ فإذا ما نزلوا إلى أرض الواقع ، وكان غير ما أملوا ، وما أرادوا وما عملوا ، فتروا عن العمل إما بالكسل و التواني و التراخي ، وإما بالقعود والانسلاخ و الترك .
9-التقصير في حق البدن بسبب ضخامة الأعباء وكثرة الواجبات وقلة العاملين:
ذلك أننا نجد بعض العاملين ينفقون كل ما يملكون من جهد ووقت وطاقة في سبيل خدمة هذا الدين ، ضانين على أنفسهم بقليل الراحة و الترويح فهؤلاء وأمثالهم ، وإن كانوا معذورين بسبب ضخامة الأعباء ، وكثرة الواجبات وقلة العاملين ، إلا أنه تأتى عليهم أوقات يفترون عن العمل لا محالة .
ولعل هذا هو سر تأكيده - صلى الله عليه وسلم - على حق البدن مهما تكن الأعذار و المبررات إذ يقول:"إن لربك عليك حقًا ، وإن لنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا فأعط كل ذي حق حقه"وفي رواية أخرى:"فإن لجسدك عليك حقًا ، وإن لعينك عليك حقًا ، وإن لزوجك عليك حقًا ، وإن لزويك عليك حقًا" (1)
(1) أخرجه البخاري
10-عدم الاستعداد لمواجهة معوقات الطريق: ذلك أننا نجد بعض العاملين يبدءون السير في الطريق دون أن يقفوا على معوقاته ، من زوجة أو ولد ، أو إقبال دنيا ، أو امتحان ، أو ابتلاء ،أو نحو ذلك ، و بالتالي لا يأخذون أهبتهم ، ولا استعدادهم ،وقد يحدث أن يصدموا أثناء السير بهذه المعوقات ، أو ببعضها ، فإذا هم يعجزون عن مواجهتها ،فيفترون عن العمل إما بالكسل و التراخي ، وإما بالوقوف والانقطاع .
وهذا سر تنبيه القرآن الكريم ، وتحذيراته المتكررة من معوقات الطريق إذ يقول سبحانه:
{ يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ، إنما أموالكم وأولادكم فتنة وإن الله عنده أجر عظيم } ، { واعلموا إنما أموالكم وأولادكم فتنة } ، { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ... } ، { ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } ، { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين ونبلوا أخباركم } .
11-صحبة ذوى الإرادات الضعيفة و الهمم الدانية: فقد يحدث أن يصحب العامل نفرًا ممن لهم ذيوع و شهرة ،وحين يقترب منهم ويعايشهم يراهم خاوين فاترين في العمل ، كالطبل الأجوف ، فإن مضى معهم عدوه- كما يعدى الصحيحَ الأجربُ - بالفتور و الكسل .
وهذا هو سر تأكيده - صلى الله عليه وسلم - على ضرورة انتقاء واصطفاء الصاحب ، إذ يقول: ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم إلى من يخالل ) (1) .
( إنما مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك: إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة ، ونافخ الكير ، إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة ) .
(1) أخرجه أبو داود
12-العفوية في العمل سواء على المستوى الفردي أو الجماعي: ذلك أن كثيرًا من العاملين أفرادًا كانوا أو جماعات يمارسون العمل لدين الله بصورة عفوية لا تتبع منهجًا ، ولا تعرف نظامًا ، فيقدمون الأمور الثانوية أو التي ليست بذي بال ويؤخرون بل ويهملون الأمور الرئيسية و التي لابد منها من أجل التمكين لدين الله ، وهذا يؤدى إلى أن تطول الطريق وتكثر التكاليف و التضحيات ، فيكون الفتور غالبًا ، إن لم تتدخل يد الله بالرعاية و التأييد و الثبات .
ولعلنا في ضوء هذا نفهم سر وصيته - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ لما وجهه إلى اليمن إذ قال له: إنك تأتى قوما من أهل الكتاب ، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم ، فإن هم أطاعوك لذلك ، فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب .
إن الحديث قاعدة رئيسية في منهجية العمل ، وترتيبه ودقته .
13-الوقوع في المعاصي و السيئات ولاسيما صغائر الذنوب مع الاستهانة بها:
فإن ذلك ينتهي بالعامل لا محالة إلى الفتور ، وصدق الله الذي يقول: