تأملات:الوطن العربي:الثلاثاء 20 محرم 1426هـ - 1 مارس 2005 م
هو.. فارس لا يترجل.
ألف صهوة الخيل فلا غير.
عشق القمم فما عاد يعرف للأودية سبيلًا ولا إليها طريقًا.
سارت هموم الناس في أفلاك شهواتهم، وسار نجم همه في أفلاك دعوته, فهو آخذ بزمام فرسه، طائر على جناح السرعة، قد نصب خيمته في صحراء التائهين، وأوقد ناره عندها كي يراه المنقطعون فيقصدونه, فيستنقذ منهم غافلًا ويعلم فيهم جاهلًا ويرشد فيهم حائرًا.
يالُبينى أوقدي طال المدى أوقدي علَّ على النار هدى
أوقدي يالُبن قد حار الدليل أوقدي النار لأبناء السبيل
أوقدي النار وأذكي جمرها علَّ هذا الركب يعشو شطرها
شردي هذا الظلام الجاثما أرشدي هذا الفراش الهائما
إنه فارس الدعوة.. لا ينفك أبدًا عن سعي دؤوب وجهد مشبوب في سبيل الدعوة, يحكي لك حاله حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: 'طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله, أشعث رأسه مغبرة قدماه' [1] . لقد سمع قول الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [ آل عمران ] , فأجاب وكان أمة.. هو في ليله قائم, وفي نهاره هاجم, في سره عامل, وفي جهره داع.. إنه ذلك الداعية الذي لا يعرف الراحة، ولا يلذ له النزول من فوق صهوة الدعوة, فَهِم قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: 'الراحة للرجال غفلة', فأعرض عن الراحة، ونزل إلى الساحة، يصول فيها ويجول. وكيف يستطيب الراحة، وفي التعب في سبيل الله كل اللذة. قيل لعلقمة رحمه الله: كم تعذب هذا الجسد الضعيف! فقال: لا تنال الراحة إلا بالتعب. وقيل لمسروق بن الأجدع: لقد أضررت ببدنك! فقال: كرامته أريد!!
والحر لا يكتفي من نيل مكرمة حتى يروم التي من دونها العطب
يسعى به أمل من دونه أجل إن كفَّه رهب يستدعه رغب
لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الداعي والدليل, فلما قبضه الله إليه أقام له من أمته من يخلفه بعده، وهم آحاد أفراد يدلون إلى الحق ويرشدون الخلق ويصبرون على أذاهم. يسيرون على نهج نبيهم, ويلزمون غرزه, ويتبعون طريقته, قد تحلى بهم الزمن على مر عصوره, فصار كعقد من الجواهر أحاط بالقمر.
فتجاوزًا لحقب الزمن الأول واتصالًا بالعصر الحاضر, لنعرض إلى قصص وحوادث, وسير ومشاهد, يتبين عند عرضها بجلاء أنَّ الأمة ما زالت بخير, وأن فيها من يعمل للدين ويدعو إليه, يبذل في ذلك قصارى جهده ومنتهى سعيه، جاعلًا ذلك من أعظم القرب إلى الله, وكما قال شيخ الإسلام: 'أعظم ما عبد الله نصيحة خلقه'.
وحين نعرض لهذه الصور المشرقة والصفحات المضيئة, فلسنا نعرضها لنُطرب النفوس فتُبارك دون أن تشارك.. كلا.. بل نعرضها رجاء أن يستيقظ بها نائم، أو يصعق بها غافل, ويتحرك لها فاتر العزيمة ضعيف الهمة الذي ربما وافته فرص عظيمة دون أن يستثمرها, لعله يبذل لدينة وملته أقل القليل, وحتى لا يعيش الحياة دون حياة {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ} [يوسف 111 ] , وصدق إقبال حين قال:
'تولد الأمة من قلب جليل'
فخذها نماذج من فرسان الدعوة المعاصرة تركت فيها دعاة معروفين [2] قد دونت الكتب آثارهم, ونشرت على الملا أخبارهم, تركتها إلى دعاة هم أقل شهرة من سابقيهم.. وفاءً ببعض حقهم علينا..
المهندس محمد توفيق بن أحمد رحمه الله [3] , ذاك الرجل المبارك, أسس دار تبليغ الإسلام في سويسرا, كان يعمل في صمت طوال خمسة وستين عامًا, أسلم على يديه أربعة آلاف, أرسل رسائل للتعريف بالإسلام والدعوة إليه وصلت إلى مائة ألف رسالة, يقول عنه الصحفي المغربي عبد القادر الإدريسي: التقيت به مرتين تفصل بينهما ثلاثة عشرة سنة: لم يتغير الرجل طوال هذه المدة, بل أستطيع أن أقول: إن قوته وعزيمته تزدادان مضاءً مع توالي الأعوام، الإشراق في عينيه يجذبك إليه بقوة رجل ليس كالرجال, قمة من القمم الشامخة التي وهبت حياتها لله رب العالمين.
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ شيبًا بماء فعادت بعد أبوالا
والسؤال الذي يطرح نفسه، كم يقدم إلى بلادنا من غير المسلمين ثم يرجعون دون أن يكون لأحد منا أقل الجهد, بإعطائه نسخه من كتاب يُعَرِّف بالإسلام, أو أن ندله إلى توعية الجاليات؟! إنها حالة مزرية من الضعف المشين..
[أحمد وبيللوا] رئيس وزارة الإقليم الشمالي في نيجيريا الذي اغتيل في أواخر رمضان عام 1385هـ. كان من ثمرات عمله الدؤوب في نشر الإسلام الذي بدأه في عام 1963هـ بين الوثنيين, أنه لم ينته ذلك العام حتى دخل في الإسلام على يديه ستون ألفًا من الناس، وحتى إذا انتهى عام 1964هـ أي سنتين من بداية عمله كان عدد الذين أسلموا يزيدون على ثلاثمائة ألف!! كلهم يأتون في صحيفة حسناته يوم القيامة, نسأل الله ذلك.
أين فؤادي أذابه الوجد وأين قلبي فما صحا بعد
يا سعد زدني جوى بذكرهم بالله زدني فديت يا سعد
كانت الدعوة تجري في دمائهم, تتحرك في نفوسهم كما الدم يتحرك في عروقهم, ولا يوقفها إلا انقطاع النفس.
شاب يعيش في ألمانيا كان مجتهدًا في الدعوة إلى الله اجتهادًا عظيمًا, حتى لا يكاد يذوق طعمًا للراحة, قد استحوذت الدعوة على كل كيانه, وبينما هو على هذه الحال, رأى أصحابه أن يمنحوه إجازة إجبارية ليرتاح ويتفرغ لأولاده، وذهبوا به بصحبة أولاده إلى متنزة ناءٍ لا يعرفه فيه أحد، حتى يهنأ ببعض الراحة ويجم نفسه, ووعدوه أن يعودوا لإرجاعه بعد أيام, فلما رجعوا ماذا وجدوا؟! وجدوه قد أسس جمعية إسلامية في ذلك المكان كان قوامها بعض العمال المغاربة وغيرهم ممن انقطعت صلتهم بالدين، فدعاهم إلى الله وألف بينهم, وأقاموا مسجدًا كان فيما بعد منطلقًا للدعوة إلى الله في تلك البلدة [4] . أرأيتم لو أنه جعلها مجرد نزهة فقط هل يتم له ما حصل؟!
دون المعالي مرتقى شاهق فَطِر إلى ذروته أو قعِ
من لم يخض غمرتها لم يشد قواعد المجد ولم يرفعِ
في غرفة العناية المركزة، اعتدنا أن نسمع فيها صوت الأنين ونرى التوجع والألم, فيا ترى ما حال من استغرقت عليه الدعوة فزاحمت أنفاسه، أيشارك الناس أنينهم وينسى حنينه؟! هذا شاعر الدعوة الإسلامية المعاصرة: عمر بهاء الدين الأميري، يرقد في جناح طب القلب، موصول صدره إلى جهاز المراقبة الإلكتروني بأسلاك تفل من حركته, يحقن في بطنه كل يوم مرات بإبر لإماعة الدم. دخل عليه الطبيب وهو في هذه الحالة, فسأل القائم على التمريض عن استراحة شاعرنا؟ فبادره شاعرنا بالجواب:
كلا رويدك يا طبيب وقد سألت: أما استراح؟
هل يستريح الحر يوقد صدره العبء الرزاح [5]
نعم كيف يستريح من يوقد صدره عبء الدعوة وضخامة المسؤولية. قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: متى الراحة؟ فقال: عند أول قدم نضعها في الجنة!!
بل إن هم الدعوة لا يفارقهم حتى في أشد اللحظات, فهذا الداعية الشيخ/ حسن علي رحمه الله: سمعه بعض الناس وهو في لحظات الموت يقول: 'اترك دينك وصر مسلمًا' تلك كلماته التي كان يرددها حال صحته ونشاطه عادت حديث وفاته! لقد استحوذت الدعوة على نفسه, ومن عاش على شيء مات عليه.
كذاك الفخر يا همم الرجال تعالي فانظري كيف المعالي
وحتى لا يظن أن هذا الجهد المبارك لم يكن للنساء فيه نصيب, فإني أعرض إلى صورتين مشرقتين لامعتين من نماذج النساء الداعيات:
ذكر صاحب كتاب كيف أخدم الإسلام [6] ؟ أن امرأةً كانت مشغولة بالدعوة لا تترك فرصة تذهب سدى دون نصح أو تأثير، كانت إذا ذهبت للحرم المكي أو المسجد النبوي بذلت نفسها لتعليم المسلمات أمور دينهن، وحثهن على الحجاب الشرعي، رأت مرة مجموعة من الفتيات من إحدى الدول العربية قد كشفن رؤوسهن، وعندما سألتهن عن حضورهن بهذه الصورة، قلن لها: نحن عضوات فريق كرة الطائرة... وأتينا للعمرة, عندها بدأت الموفقة بالدعوة إلى الله معهن وما قامت عنهن حتى تحجب بعضهن... يقول صاحب الكتاب: وقد رأيت رسالة من إحدى اللاعبات أرسلتها إلى الداعية تبشرها أنها بدأت تبعث في نفوس زميلاتها التمسك بالحجاب والستر والعفاف {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [ آل عمران: 104 ] .
وهذه امرأة أخرى كانت إذا أقبل موسم الحج قامت باختيار وشراء الآلاف من الكتب باللغة الإندونيسية ثم وضعت كل مجموعة داخل مغلف ثم ترسل بها إلى الحجاج ليتم توزيعها هناك كل عام [7] , فيا ترى كم استفاد من هذا الجهد المبارك؟!
وبعد هذا العرض اليسير للقمم السامقة من رجالات ونساء الدعوة, والتي أردت فيها بعث الهمة وإيقاظ العزيمة, فإني أتمم ذلك بذكر حديث لفارسٍ من فرسان الدعوة الإسلامية, خاض غمارها, وعاش ليلها ونهارها, ذاك هو الداعية المبارك أحمد ديدات رحمه الله, أتركه ليحرك الدم المتجمد في عروقك بسياط نصحه, ويدفع قدمك للصعود بعظيم وعظه فيقول - بتصريف يسير-: 'إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: 'اليد العليا خير من اليد السفلى', وهذا يعني أن الذي يعطي أرفع منزلة من الذي يأخذ، إن مهمتنا هي أن نخرج لنبلغ رسالة الله، إننا في مكانة أعلى من الناحية العقدية.. ويقول: ملايين الخطط وملايين المتفرغين النصارى هدفهم تحويل العالم الإسلامي إلى النصرانية ونحن نغُطُّ في نوم عميق. النصارى يقرعون أبوابنا في بلادنا!! فقد تنصر 15 مليون إندونيسي وهناك الآن مئات الآلاف من المتفرغين للتنصير في أفريقيا.
هناك مجموعة صغيرة من النصارى قد طبعوا أكثر من [84] مليون نسخة من كتاب واحد بأكثر من [95] لغة ويطبعون 102 مليون نسخة من مجلة شهرية بأكثر من 102 لغة؟!!
النصارى أصبحوا يجرفون المسلمين في كافة أنحاء العالم، وليس هناك من يبكي لهذه النتيجة، بينما نرى النصارى يندفعون على نطاق واحد لنشر دينهم والتضحية بحياة الترف والبذخ والعيش في أدغال أفريقيا والصحاري الحارقة هناك. فالأيرلنديون مثلًا وهم من الفقراء في بريطانيا - مقارنة بالإنجليز - يبعثون الآلاف من الرجال والنساء في العالم لخدمة المسيح كما يزعمون!
ثم يقول وهو يستثير المسلم ويبعثه إلى نشر عقيدته: إن المسلم يملك هذا الدين.. يملك البرهان عليه، وعليه أن يصحو ويعلم أنه يملك [جرافة] منحها الله إياه, تحطم كل الصخور - صخور الأصنام والجاهلية - هي هذا الدين, فعليه استخدامها لنيل العزة...
ويقول: من مائة ألف صحابي حضروا حجة الوداع, لم يدفن في المدينة منهم إلا عشرة آلاف! أين ذهب الباقون؟! لقد انطلقوا في الآفاق يمتطون خيولهم وجمالهم ينشرون دعوة الله, أدركوا أن رسالتهم للعالم فلم يكتفوا بالجلوس في بيوتهم ومساجدهم...' إلى آخر كلامه البديع [8] .
إن هذه الجهود المباركة المشكورة في سبيل الدعوة, إنما هي أثر من آثار محبة الله ومعرفته, فمن عرف الله دلَّ عليه, وقد صدق عبد القادر الجيلاني رحمه الله حين قال: 'من كملت معرفته لله عز وجل صار دالاًّ عليه, يصير شبكة يصطاد بها الخلق عن بحر الدنيا, يعطي القوة حتى يهزم إبليس وجنده'.
أيها الغافل وكلنا ذلك, هذه قوافل الخير قد سارت وأنت نائم.. فإن أردت اللحاق بها فتوسد ذراع الهمم، وقم على أقدام القلق.. حتى لكأن النوم قد حلف على جفا أجفانك.
إلى كم حبسها تشكو المضيقَ إثرها ربما وجدت طريقا
أجلها تطلب القصوى ودعها سدى يرمي الغروب بها الشروق
أتعقلها وتقنع بالهوينا تكون إذن بذلتها خليقا
ورحم الله ابن سعدي حين قال: [رحم الله من أعان على الدين ولو بشطر كلمة, وإنما الهلاك في ترك ما يقدر عليه العبد من الدعوة إلى هذا الدين] [9] .
فيا أيها الأخ المبارك: اخرج من ديار الغفلة ومواطن الكسل, وحدث النفس بالعمل, واجعل الهمة تومئ إلى البطالة وتودعها إلى غير رجعه..
سلام على اللذات واللهو والصبا سلام وداعٍ لا سلام قدومِ
إبراهيم بن صالح الدحيم
[1] البخاري [2887] .
[2] أمثال [العلامة ابن باز والألباني والعثيمين رحمهم الله] .
[3] صلاح الأمة في علو الهمة للعفاني 2/ 115.
[4] علو الهمة محمد أحمد إسماعيل ص283.
[5] علو الهمة محمد أحمد إسماعيل ص259.
[6] لعبد الملك القاسم ص33.
[7] كيف أخدم الإسلام للقاسم ص89, وللزيادة راجع الكتاب, ففيه مواقف حاضرة ومؤثرة.
[8] صلاح الأمة في علو الهمة 2 /135 - 136.
[9] كيف أخدم الإسلام للقاسم ص44.
ــــــــــــــــــ