الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:-
فلقد كرم الله سبحانه بني آدم فخلق آدم بيده عز وجل وأسجد له ملائكته وعلَّمه الأسماء كلها، واختص سبحانه وتعالى بني آدم دون سائر المخلوقات بتكريم ومنزلة ومزايا خاصة لهم دون غيرهم، لكن أعظم تكريم وتشريف هو أنْ حمَّلهم سبحانه وتعالى هذا الدين، وأنْ جعلهم سبحانه وتعالى عبادًا له فشرفهم بالانتساب إليه والتعبد له عز وجل، فصار شرف الإنسان وعزه عندما يذل بين يديه مولاه، وكماله هو في فقره لله عز وجل واستغنائه عمن سواه، بل هذا هو ما خُلِقَ بنو آدم من أجله [ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] .
ومن تمام هذه العبودية وكمالها تشريف آخر، وذلك بأن جعله تعالى حاملًا لمشعل الهداية ودعوة الخير للناس جميعًا، فهو الذي يبلغ كلام الله عز وجل ودينه سبحانه للناس كافة، وحين يعرض هذا الإنسان ويتنكب الطريق فالبديل هو غيره ممن يقوم بهذه الأمانة، فالقضية إنما تدور حول الإنسان [ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ] [ وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم] . [ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ] .
أي تشريف وتعظيم ورفع منزلة للإنسان أعظم من أن يكون داعيًا للناس لعبودية الله وتوحيده؟ وأن يوظف وقته وجهده لتحقيق هذه الغاية وأداء هذه الرسالة، بل يحمل روحه في سبيل الله قد هانت عليه نفسه امتثالًا لقوله تعالى: [ وقاتلوهم في سبيل الله ] ، [ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله] .
ومما يزيد الأمر وضوحًا ويزيد القضية برهانًا أن الله اختص بهذه المهمة وهذه الوظيفة خيرة خلقه، وهم أنبياؤه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم، فكلهم قد أُرسلوا بكلمة واحدة [اعبدوا الله ما لكم من إله غيره] ، [اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت] ، فمن يختر هذا الطريق ويَسِرْ فيه فهو يختار أن يسير على خطى الأنبياء ويقتفي آثارهم، ويختار لنفسه المهمة التي اختارها الله لصفوة خلقه عليهم الصلاة والسلام.
إن كل مسلم يعتقد أنه مخاطب بالقرآن الكريم، فهم مخاطب بهذه النصوص التي تأمر الناس أن ينصروا الله عز وجل ، أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، أن يدعوا إلى الخير [ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر] ، [ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم] ، [و إن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم] ، [فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم] .
وهو مخاطب بالنصوص المتضافرة في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
بل إن الله سبحانه يصف هذه الأمة وصفًا عامًا بقوله: [ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله] ،ومَنْ مِنْ المسلمين يرضى بأن يوصف بخروجه عن أمة الإسلام، أو يرضى أن يشكك أحد في انتمائه لهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؟ ما وظيفة هذه الأمة ؟ ما مهمة هذه الأمة؟ إنها القيام بهذا الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فمن الذي يحمل هذا الدين؟ من الذي يحمل هذه الأمانة ؟ أهي طائفة خاصة من هذه الأمة، أهو خطاب للنخبة ؟ أم هو خطاب للأمة أجمع ؟ لكل لمن يعقل كلام الله جل وعلا وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا كان أم امرأة، شابًا كان أم شيخًا، أيًّا كان موقعه الاجتماعي بين الناس ، وأيًّا كان علمه ودرجته فهو ما دام يرى أنه من هذه الأمة فهو مخاطب بهذه الصفة، فالأمة أجمع إنما اكتسبت هذه الخيرية لأنها تقوم بدين الله وتأمر بالمعروف، والمعروف اسم جامع يشمل كل ما أمر الله به من اعتقاد أو عمل أو سلوك أو خلق، ولئن كان هذا المعروف لا يعجب فئة من الناس أو لا يتفق مع أهوائهم فهذا لا يخرجه عن كونه معروفًا.
والمنكر كلمة جامعة لكل ما يخالف شرع الله في الاعتقاد والتعبد والعمل والسلوك، فالأمة مخاطبة أن تسعى لتغير هذا المنكر أيًا كان، سخط من سخط ورضي من رضي، ما دام منكرًا بعرف الشرع وخطاب الشرع، إن المناط في تحديد المعروف والمنكر يؤخذ من كلام مَنْ أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبحانه وتعالى.
وأخبر الله سبحانه أن هذه الأمة أمةٌ وسطٌ وشهيدة على الناس [ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ] ، أليس هذا للأمة أجمع؟ أليست الأمة أجمع موصوفة بأنها شهيدة على الناس في الدنيا والآخرة؟ إذا فلماذا نتأخر ولماذا نتقهقر؟ ولماذا نختزل هذه النصوص ونحصرها في زاوية ضيقة، ونقول إنها تعني النخبة وتعني فئة خاصة من الناس ؟ أمَّا نحن فدورنا كدور الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداءً ، دورنا أن نسير وراء القطيع، أمَّا مهمة إبلاغ هذا الدين وحماية مجتمعات المسلمين والقيام بأمر الله عز وجل فهي مهمة النخبة.
كيف يصل بهذه الأمة هذا الفهم وتلقي عن نفسها هذا اللباس، وهذا العز والتكريم والتشريف؟
إذًا فمن منطلق عموم النصوص في كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ندرك أن الجميع مخاطبون بحمل الأمانة ، ما داموا ضمن إطار هذه الأمة ما داموا منها فهم جميعًا يجب أن يكونوا شركاء في الأمانة.
ثانيًا: شواهد من قصص الأنبياء:
حين نقف عند قصص أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم نلمس هذا الأمر واضحًا جليًا. يقول سبحانه مخاطبًا أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - داعيًا إياهم إلى التأسي بأولئك السلف الذين سبقوهم [ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين . وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين] ، لقد كان هؤلاء الربيون يشعرون أن الأمانة لا تخص هذا النبي وحده، بل لا بد أن يقوموا معه ويقاتلوا معه ويتحملوا الشدائد في سبيل الله، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
وسمع رجل من آحاد الناس أن هناك مؤامرة تحاك في الظلام ضد أحد أولياء الله، وهو نبي الله موسى، سمع أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، فشعر أن من واجبه أن يقوم بإبلاغ هذه الكلمة إلى موسى لعل الله أن ينجيه بسبب ذلك [وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين] .
ورجل آخر يسمع بأنبياء الله وقد واجههم ما واجههم من قومهم فيحتمل التعب واللأواء لأجل نصرتهم [ واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ] ، ثم جاء هذا الرجل من مكان بعيد [وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين . اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون . وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ، أأتخذ من دونه آلة إن يردن الرحمن بضر لا تغني عنهم شفاعتهم شيئًا ولا ينقذون .إني إذًا لفي ضلال مبين . إني آمنت بربكم فاسمعون ] ، لقد أدرك هذا الرجل أن القضية ليست قضية الأنبياء وحدهم، فحين يُكذَّبون وحين لا يسمع لهم أقوامهم فليست مهمة قاصرة على أن يسترجع ويحوقل ويندب ويبكي على هذا الدين، بل عليه أن يقوم بمهمته فيأتي من أقصى المدينة يسعى ويمشي، يأتي ليقول كلمة واحدة: إن ما يدعوكم إليه هؤلاء حق وصدق، فاتبعوهم، فقتل ودخل الجنة ولايزال هم قومه يختلج في صدره قال [ ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين] ، إن هذه المشاعر المستقرة في قلب هذا الرجل لم يكن يقتلعها الطغيان أو الإيذاء أو القتل، حتى بعد أن أراقوا دمه لا زال يختلج في صدره هذا الأمر، ولا زال يبكي على حال قومه ويتمنى أن يعلموا ما صار إليه علهم أن يلحقوا به، وأن يغفر الله لهم.
ونعود مرة أخرى إلى موسى فحين جاء موسى وواجه قومه بدعوته قام رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، قام مناصرًا لموسى منافحًا عنه فقال [ أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد كانت لكم بينات من ربكم وإن يك كاذبًا فعليه كذبه وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم] ، ثم يعيش في جبل مع قومه وهو لايزال يكتم إيمانه، حتى إذا رأى أمرًا لم يجد فيه مجالًا للمداراة مع هؤلاء أعلنها صريحة لهم وقال [ يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد . يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار] .
وحين تجرأ المشركون على رسول الله صلى اله عليه وسلم قام أبو بكر -رضي الله عنه- وقال لهم:"أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله"؟ أخرج البزار من رواية محمد بن علي عن أبيه أنه خطب فقال:"من أشجع الناس ؟ فقالوا: أنت، قال: أما أني ما بارزني أحد إلا أنصفت منه , ولكنه أبو بكر , لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذته قريش فهذا يجؤه وهذا يتلقاه ويقولون له أنت تجعل الآلهة إلها واحدا , فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويدفع هذا ويقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ , ثم بكى علي ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون أفضل أم أبو بكر ؟ فسكت القوم , فقال علي: والله لساعة من أبي بكر خير منه , ذاك رجل يكتم إيمانه , وهذا يعلن بإيمانه".
ومع موسى مرة أخرى وقد وعد الله قومه أن يدخلوا الأرض المقدسة، فيُذَكِّر موسى قومَه بوعد الله ويعدهم بأن يتحقق لهم النصر، فيمتنع القوم ويستكبرون عن الدخول، حينها لم تُجْد هذه المحاولات مع أولئك المعاندين، فيقوم رجلان مؤيدان ومناصران لموسى [ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين] .
ثالثًا: ثمرة الانتماء للدين:
إن المسلمين جميعًا يشعرون أنهم ينتمون لهذا الدين، ويتشرفون بالانتساب إليه، ولو سألت أحدهم في مقام الإنكار عليه والجدل والخصومة قائلا له: ألست بمسلم؟ لتضايق من هذا السؤال، ولكن مَن مِن المسلمين يسأل نفسه هذا السؤال بجد وصدق: ماذا يعني انتمائي لهذا الدين؟ ماذا يعني انتمائي لهذه الأمة؟ ألم يفرض علي الولاء لهذا الدين؟ ألم يفرض علي القيام بنصرة هذا الدين والذب عن حياضه والدعوة إليه؟
أرأيتم أصحاب الطوائف الضالة المنحرفة ألا يشعرون أن لانتمائهم لهذه الطائفة أو تلك ثمنًا لا بد أن يدفعوه؛ فيتعصب لطائفته ويدعو إلى معتقدهم، ويسعى إلى نشره بكل غال ورخيص.
ومثلهم أولئك الذين سيطرت عليهم اللغة الوطنية فصار لا يشعر إلا بالانتماء إلى التراب والوطن، إنه يشعر أن ذلك يفرض عليه أن يعمق ولاءه وانتماءه لوطنه، وأن يذب عنه ويتعصب له بالحق والباطل، فما بالنا وقد كرمنا الله بأعظم انتماء لهذا الدين، ما بالنا لا ندرك ماذا يفرض علينا انتماؤنا وماذا يعني كوننا مسلمين مؤمنين؟
رابعًا: عموم العقوبة للساكتين:
لقد بين الله أن الناس حين يُعرِضون عن شرع الله ويرتكبون ما يخالف أمره يعمهم بالعقوبة [ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة] ، [ فلما آسفونا انتقمنا منهم] ، [ مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد] . [أو لم يهد للذين يرثون الأرض بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم] ، فمن سنة الله أن يعاقب الناس ويهلكهم وتعمهم العقوبة حين يتنكبون شرع الله، هذه العقوبة ليست لفئة خاصة من الناس، بل هي عقوبة للمجتمع كله، تبيد خضراءه فتهلك الأخضر واليابس.
فهل نعي أن مجتمعات المسلمين حين تعرض عن شرع الله عز وجل ويظهر فيها الخبث ويعلو فيها الفساد فهي مهددة بعقاب من الله سبحانه وتعالى ووعيد بعذابه؟
وما دامت العقوبة تعم الجميع فالمسؤولية والأمانة يجب أن يحملها الجميع سعيًا في دفع عقوبة الله وغضبه.
خامسًا: المجتمع كركاب السفينة:
يضرب - صلى الله عليه وسلم - مثلًا بليغًا فيقول:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها؛ فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".
إننا جميعًا ركاب في هذه السفينة، ومطلوب منا أن نأخذ على أيدي الذين يريدون الفساد وإثارة الفتنة، والفتنة كل الفتنة هي الصد عن سبيل الله، فلا يسوغ لأحد منا وهو يشعر أنه يركب هذه السفينة وأن الخطر يعم الجميع أن يتخلى عن حمل الأمانة.
سادسًا: وفي قصص السابقين عبرة:
يعرض الله علينا في كتابه الكريم صورًا من أولئك الذين يتخلون عن حمل الأمانة، وكيف أن العقاب حل بهم، ومنهم أولئك الذين قال الله سبحانه عنهم: [ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون. وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون] : ويخبر الله سبحانه وتعالى أن بني إسرائيل قد حققت عليهم اللعنة لأنهم تخلوا عن حمل الأمانة [ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ... .] .
إذًا هاهي نماذج تورد في مساق القدوة السيئة التي يراد بهذه الأمة أن تتجنبها وألا تسير على طريقها، فما بالنا نقول بلسان حالنا [ لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا] ولماذا نفترض أن القضية تعني فلان وغيره، وإن لم يكن اسمه موسى وهارون، فالمنطق هو المنطق، والسبيل هو السبيل، إنه سبيل أولئك الجبناء الذين كتب الله لهم الأرض المقدسة فاختاروا التيه والضلال فتاهوا أربعين سنة عقوبة لهم على تخليهم عن هذه الأمانة .
سابعًا: ماذا ستقول عنا الأجيال؟
إننا جميعًا نتفق على انتقاد ذاك الجيل الذي كان على يده إضاعة بلاد الأندلس، ولا يزال الصغار والكبار يقرؤون في التاريخ بأن أولئك خانوا المسلمين وخانوا الأمة أجمع فتحولت تلك البلاد إلى بلاد نصرانية، والمساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيس وصلبان، فماذا نقول عن أولئك؟
وماذا نقول عن أولئك الذين ضاعت على أيديهم تلك البلاد التي فتحها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . يقول ابن عمر: ارتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان، فقد جاب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كل البقاع، ماذا نقول عن أولئك الذين أضاعوا ذلك المجد؟
وماذا نقول عن أولئك الذين ساهموا بقصد أو بغير قصد في حياكة ونسج أكفان الخلافة الإسلامية حتى تفرقت الأمة الإسلامية شذر مذر وتفرقت إلى أحزاب يلعن بعضها بعضًا ويقتل بعضها بعضًا؟
ماذا نقول عن أولئك الذين أضاعوا أولى القبلتين وثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها؟
ما دمنا نعيب أولئك، ومادمنا نرى أنهم تخلوا عن تحمل تلك المسؤولية، فماذا سيقول الجيل الذي سيلينا عنا؟ ألا يحق لهم أن يتحدثوا عنا باللغة نفسها؟ ألا يحق لهم أن يصفونا بما نصف به أولئك وما الذي يميزنا عن غيرنا؟
ثامنًا: إننا نرى أن ثمة مجالات عدة في حياة المسلمين يمكن أن تسهم في خدمة الأمة ونصر هذا الدين والذب عنه، فالأمة تحتاج إلى كل التخصصات والأدوار، وما من أحد يجيد فنًّا من فنون هذه الدنيا أو علمًا من علومها، أو ينبغ في ميدان من ميادينها، إلا ويرى أنه سيجد مكانًا في ساحة الأمة الواسعة الفسيحة، يمكن أن يؤدي من خلاله دورًا، ويمكن أن يسهم من خلاله في أداء الأمانة وحملها، فما دام الأمر كذلك فلماذا يخص الأمر نخبة خاصة من الناس؟ فالأمة تحتاج إلى كل الطاقات وكل التخصصات.
والأمراض التي حلت بهذه الأمة أوسع وأشمل من أن يحيط بها فئة محدودة من الناس أو نوع من الناس من أصحاب القدرات الخاصة، ما دام ذلك كذلك إذًا فالأمانة ينبغي أن يحملها الجميع.
إن هذه المقدمات الثمان توصلنا إلى النتيجة التي نريد الوصول إليها التي توصلنا للإجابة على هذا السؤال الذي طرحناه أول الحديث من يحمل الأمانة؟
ننتقل بعد ذلك للإشارة إلى صورة من صور الأمانة التي يجب على الأمة أن تحملها وأن تتواصى بالقيام بها وأدائها وهي صور على سبيل المثال لا الحصر.
من صور حمل الأمانة:
إن الوقت لا يتسع للإفاضة، والمقام يدعوننا إلى الإشارة والحر تكفيه الإشارة، ومن صور حمل الأمانة:
أولا: المحافظة على المجتمع:
من الأمانات المهمة التي ينبغي أن يتحملها المجتمع أجمع المحافظة على المجتمع وحمايته من الفساد، فلم يعد أحد من المسلمين اليوم يشك في أن مجتمعات المسلمين مستهدفة، وأنه يراد لهذه المجتمعات أن تغوص في أوحال الرذيلة والفساد، وأن تتخلى عن دينها، كيف لا نشك في ذلك ونحن نقرأ قول الله تعالى: [ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ] . وقوله: [ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا] ،وقوله عز وجل: [ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون] .
فما دام هناك يهود ونصارى فلن يرضوا عن هذه الأمة حتى تتبع ملتهم، وارتماء الأمة في أوحال الفساد والرذيلة، وتخليها عن دينها واختيارها للشعارات الأرضية الباطلة، لن يكون كافيا لديهم، فلا بد أن يسوقوا الأمة إلى أن تتنصر أو تتهود، وها نحن نرى صور الفساد وتيارات الهدم والفتن تتوارث على مجتمعات المسلمين، ولستم بحاجة إلى أن أثير أشجانكم بذكر الأمثلة والصور والتناقضات، ويكفي أحدنا دلالة على ذلك أن يخرج إلى شارع من شوارع المسلمين، أو سوق من أسواقهم، ليرى نتائج هذا الغزو ونتاج هذا التدمير الذي يراد لهذه الأمة، فما دامت هذه المجتمعات مستهدفة يراد لها أن تتنكب الطريق، فمن المسؤول عن الحفاظ على المجتمع؟ ومن المسؤول عن الدفاع عنه؟ ومن الذي ينبغي عليه أن يقف في خندق الدفاع عن هذا المجتمع: عن عقيدته ودينه وخلقه وسلوكه؟ أليس أبناء المجتمع أجمع ؟ أليس المسلمون أجمع كلهم ينبغي أن يقفوا صفًا واحدًا في الميدان ؟
فالواجب علينا جميعًا أن نقف في خندق الحماية والدفاع عن حرمات هذا المجتمع ودينه وعقائده، أن نقف في وجه هذه الحملة.
ولو أن المسلمين أدركوا الأمانة والمسؤولية لما استطاع الأعداء أن يصنعوا شيئًا، ولارتدت سهام أولئك في نحورهم.
ثانيًا: نشر العلم والدعوة للدين:
لئن كانت مسؤولية نشر العلم والدعوة للدين تعني أهل العلم بصفة أخص، فهذا لا يعني أننا نُعفى من المسؤولية، فبعضنا لا يملك علمًا لكنه يملك المال الذي يستطيع من خلاله أن يُوظَّف من يعمل على نشر هذا الدين، ويملك الخدمات التي يمكن أن يقدمها لأولئك الذين ينشرون العلم ويقدمونه للناس جميعًا.
إننا بحاجة إلى أن نعلم الناس عقائدهم وأحكام دينهم، أن نعلم الناس أن يعتقدوا أن الله واحد لا شريك له، أن يعتقدوا أن الله متصف بالأسماء الحسنى والصفات العلا ، وأن يعتقدوا أن أنبياء الله ورسله هم أفضل الناس وأبر الناس وأصدق الناس ، أن يعتقدوا أن أبر الناس بعد رسله هم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى أن نعلم الناس أحكام العبادة والطهارة، وإلى أن نعلم الناس ما يحل وما يحرم عليهم في معاملاتهم وفي بيعهم وشرائهم ، وفي حديثهم ومنطقهم وفي سلوكهم.
وهي مهمة يمكن أن يقوم بها الجميع من خلال عقد حلق العلم، من خلال المساهمة بالمادة وبالرأي، والمساهمة بالتشجيع والتأييد.
ثالثًا: بيان الحق والدين:
إن من حق الأمة أن تسمع كلمة الحق واضحة، وقد أخذ الله ميثاق الذين أوتوا العلم بأن يبينوه للناس [ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولاتكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون ] ، لقد عاب الله عز وجل على أولئك الذين يكتمون ما أنزل الله فقال: [ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا] ، فلا تقبل توبتهم إلا إذا بينوا، والذين يسكتون عن بيان الحق مقابل نصيب عاجل من الدنيا لن يكون لهم نصيب يوم التغابن [ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق له في الآخرة] ، إذًا مع هذا الوعيد الشديد على كتمان ما أنزل، مع هذا الذم لأولئك الذين أخذ عليهم الميثاق أن يبينوا للناس دين الله، لا يبقى لأحد من هذه الأمة عذرًا أن يعلم أمرًا مما أنزله الله فيكتمه.
لماذا أنزل الله عز وجل هذا الدين؟ لماذا أنزل هذه النصوص التي تأمر الناس بالخضوع لله دون سواه؟ أليس من حق الناس أن يعلموا ما أنزل الله عليهم؟ أن يعلموا لماذا أنزل الله هذه النصوص التي تأمر بالاحتكام إلى شرع الله سبحانه ونبذ التحاكم إلى ما سواه؟ أليس من حق الناس أن يعلموا أن المؤمن يجب عليه أن يبرأ من كل كافر؟ أليس مما أنزل الله على الناس النهي عن أن يأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة؟ أليس من واجب من أتاه الله علمًا أن يبلغ الناس؟ أليس مما أنزل الله أن تحتشم المرأة وتتحجب وأن تبتعد عن مجالس الرجال؟ أليس من واجب من أتاه الله علمًا أن يبلغ ما آتاه الله؟
إذًا فكل ما جاء عن الله في كتابه وسنة رسوله فهو بحق يجب أن يعلمه الناس ، ولولا ذلك لما أنزل الله آيات تتلى إلى يوم القيامة، وحين يُكتم عن الناس هذا الأمر فإننا نستوجب على أنفسنا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، أيحق بعد ذلك لأحد من هذه الأمة أن يكتم شيئًا مما أنزل الله؟
رابعًا: دعوة سائر الناس إلى الإسلام: