وفي قوله:"أو عالما أو متعلمًا"قال: كأنه قيل: الدنيا مذمومة؛ لا يحمد مما فيها إلا ذكر الله وعالم ومتعلم، وكان حق الظاهر أن يكتفي بقوله"وما والاه"لاحتوائه على جميع الخيرات والفاضلات ومستحسنات الشرع لكنه خصص بعد التعميم دلالة على فضل العالم والمتعلم، وتفخيمًا لشأنهما، وتنبيها على أن المعنى بالعالم والمتعلم العلماء بالله، الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج الجهلاء، وعالم لم يعمل بعلمه ومن يعمل عمل الفضول وما لا يتعلق بالدين، وفيه أن ذكر الله أفضل الأعمال ورأس كل عبادة والحديث من كنوز الحكم، وجوامع الكلم، لدلالته بالمنطوق على جميع الخلال الحميدة، وبالمفهوم على رذائلها القبيحة.
وقال: الدنيا مذمومة مبغوضة إليه - تعالى - إلا ما تعلق منها بدرء مفسدة أو جلب مصلحة، فالمرأة الصالحة يندفع بها مفسدة الوقوع في الزنا، والأمر بالمعروف جماع جلب المصالح، والذكر جماع العبادة ومنشور الولاية ومفتاح السعادة، والكل يبتغى به وجه الله - تعالى -. اهـ
وفي حديث ابن عمر"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"نقل الحافظ ابن حجر في الفتح (11/234) : قول الطيبي: ليست أو للشك بل للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى بل، فشبه الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن يأويه ولا مسكن يسكنه، ثم ترقى وأضرب عنه إلى عابر السبيل لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع وبينهما أودية مردية ومفاوز مهلكة وقطاع طريق، فإن من شأنه أن لا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة، ومن ثم عقبه بقوله"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح.. الخ"وبقوله"وعدّ نفسك في أهل القبور"والمعنى استمر سائرًا ولا تفتر، فإنك إن قصرت انقطعت وهلكت في تلك الأودية، وهذا معنى المشبه به، وأما المشبه فهو قوله"وخذ من صحتك لمرضك"أي أن العمر لا يخلو عن صحة ومرض، فإذا كنت صحيحًا فسر سير القصد وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة بحيث تكون ما بك من تلك الزيادة قائما مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف.
وقال غيره: هذا الحديث أصل في الحث على الفراغ عن الدنيا والزهد فيها والاحتقار لها والقناعة فيها بالبُلغة.
وقال النووي: معنى الحديث لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه.
وقال غيره: عابر السبيل هو المار على الطريق طالبًا وطنه، فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده، فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسل فيه ثم يعود إلى وطنه ولا يتعلق بشيء غير ما هو فيه. اهـ
كلمة لابد منها:
لكَم أضرّ بنا غياب الزهد عن حياتنا، فالزهد في الدنيا، من أهم المقومات في الصراع بين المسلمين وأعدائهم، وصمود الأمة في مواجهة المكائد والمؤامرات التي يتعرضون لها الآن، وإن من الغفلة القاتلة أن يظن المسلمون أن عدوهم غافل عنهم، فضلًا عن أن يتوهموا أنه صديق لهم، إلا إذا تصوروا أن الذئاب والنمور تصادق فرائسها.
إن عدونا يرقب بحذر ويقظة وتنمُّر صحوةَ المسلمين، مع أن أصحاب الصحوة لم يسلموا من إيذاء بني جلدتهم وتضييق حكامهم، وإن عدونا يمد عينيه بطمع وشره واحتيال إلى ما تبقى في أيدينا من ثروات، فهو لا يرضى لنا عودة إلى ديننا تبعث فينا الحياة والقوة، وتفتح أعيننا على مصالحنا، كما لا يرضى للغافلين منا أن يهنؤوا بما في أيديهم من ثروات.
فهل نفيق الآن؟ ونزهد في الترف والدعة والراحة التي لا تثمر إلا الخنوع والضعف، ونعمل لنرد عن الأمة غائلة العدو، ونقطع أطماعه فينا؟ أم نبقى في ترفنا وترهُّلنا حتى تأكلنا الذئاب؟ اللهم رحماك.
إننا حين نرعي أسماعنا بأدب وتوقير واستجابة لآيات القرآن وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فنفْقه معنى الزهد، ونرغب بصدق في ما عند الله - تعالى -، نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق القوة والعزة والأمان.
وعندها يكون باستطاعتنا أن نقول بقوة ووضوح لأولياء أمورنا: هذا هو الطريق الصحيح، فامضوا معنا عليه، فلن نمضي بعد اليوم خلف من يقودنا إلى حتفنا، فلسنا قطعانًا من الدواب، بل نحن مسلمون كرام نبصر طريقنا على ضوء القرآن والسنة، ولله در أبي حامد الغزالي حيث يقول في هذا المعنى: ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل، فكيف على الملوك والأكابر.
وفي طريق الزهد هذا تخرج أجيال قادرة على الجهاد، جديرة بالحياة...
شعبان 1420 هـ - ديسمبر (كانون الأول) 1999 م
ــــــــــــــــــ