ووقفة متأنية مع نعيمان رضي الله عنه تجعلنا نجل له كل تلك الموقف .. فهو على الرغم من كثرة مزاحة واشتهاره بين الصحابة بذلك .. فقد كان يضفي على جو المدينة شيئًا من الدعابة والمرح يتقبلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بصدر رحب رغم ما قد تسببه هذه المداعبات من حرج له - صلى الله عليه وسلم - كما في حادثة ناقة الأعرابي .. ومع هذا نلاحظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يتقبل هذه المداعبات منه رضي الله عنه ، ولا يغضب منها بل تدخل البسمة عليه - صلى الله عليه وسلم - ويتعجب منها .. و على الرغم من كثرة ما روي عنه رضي الله عنه من قصص طريفة ومزاحات طاهرة عفيفة إلا أنه كان فوق ذلك كله صاحب عبادة وجهاد وجد وعمل ، ومن القلائل الذين يسارعون لكل غزوة ومعركة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. فقد شهد بدرًا وأحد والخندق وبقية المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوفي في خلافة معاوية رضي الله عنه انظر الإصابة ( 3 / 540 ) .
4 -ومن المواقف العجيبة في حياته - صلى الله عليه وسلم - وهو يمازح أصحابه موقفه من العجوز الصالحة الصوامة القوامة ، فقد روى الترمذي في الشمائل ( ص 128 ) أن عجوزًا أتت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت يارسول الله: ادع الله أن يدخلني الجنة ، فقال: يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز ، فولت تبكي ، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ، إن الله تعالى يقول { إنا أنشأناهن إن شاء فجعلناهن أبكارا عربًا أترابا } [الواقعة/35-36] .
هنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يمازح هذه العجوز الصالحة قائلًا لها: يا أم فلان ، وهذا من حسن أدبه - صلى الله عليه وسلم - في إدخال السرور على الناس ، فإن تكنية الإنسان مما يدل على التقدير والاحترام الذي أمر به الإسلام .
ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يقرر حقيقة من حقائق الآخرة ، وهو النعيم الخالد لأهل الجنة ، في إنشاء النساء إنشاء وجعلهن عربًا أترابا .
5-ومن مزاحه عليه الصلاة والسلام أنه كان ينادي أحد الصحابة بـ ( ياذا الأذنين ) ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - صادق في وصفه إياه بذلك .. فمن منا ليس له أذنان ؟!
6-وأتى رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يعد للجهاد ، فقال له: احملني يارسول الله ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنا حاملوك على ولد الناقة ، فقال الرجل: وما أصنع بولد الناقة ؟! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وهل تلد الإبل إلا النوق ؟!
7 -وعن أنس رضي الله عنه قال: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ! ما فعل النغير ؟ مختصر الشمائل المحمدية (ص 200) .
ففعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا إنما كان من باب التخفيف من حزن الصبي حيث أنه كان له طائر فمات ، فأراد أن يمازحه فساله: يا أبا عمير ما فعل النغير ؟
ومما تقدم نلاحظ أن مزاح النبي - صلى الله عليه وسلم - كان فيه تعليم وتهذيب وتربية .
8 -وعن أنس رضي الله عنه أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرًا .. وكان - صلى الله عليه وسلم - يحبه وكان رجلًا دميمًا ، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا وهو يبيع متاعه ، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره فقال: من هذا ؟ أرسلني فالتفت فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين عرفه ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: من يشتري هذا العبد ؟ - وهو بلا شك عبد الله - فقال: يارسول الله إذن والله تجدني كاسدًا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ولكن عند الله لست بكاسد . مختصر الشمائل ( ص 203 ) .
9 -وعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم ، فسلمت فرد وقال ادخل ، فقلت: أكلّي يارسول الله ؟ قال: كلك ، فدخلت . سنن أبي داوود ( 3 / 228 ) .
10-أخرج البخاري في صحيحه برقم ( 6084 ) من حديث عائشة رضي الله عنها أن رفاعة القرظي طلّق امرأته فبتّ طلاقها ، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير ، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إنها كانت عند رفاعة فطلقها ثلاث تطليقات ، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير ، وإنه والله ما معه يا رسول الله إلا مثل هذه الهدبة - لهدبة أخذتها من جلبابها - قال وأبو بكر جالس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وابن سعيد بن العاص جالس بباب الحجرة ليؤذن له ، فطفق خالد ينادي أبا بكر ، يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ وما يزيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التبسم ، ثم قال: لعلك تريدين إن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك .
11 -وأخرج البخاري في صحيحه برقم ( 6085 ) من حديث محمد بن سعد عن أبيه قال: استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته ، فلما استأذن عمر تبادرن الحجاب ، فاذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل والنبي يضحك .. الحديث .
12 -وأخرج البخاري في صحيحه برقم ( 6086 ) من حديث عبد الله بن عمر قال: لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطائف قال: إنا قافلون غدًا إن شاء الله ، فقال ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نبرح أو نفتحها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فاغدوا على القتال ، قال: فغدوا فقاتلوهم قتالًا شديدًا وكثر فيهم الجراحات ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنا قافلون غدًا إن شاء الله ، قال: فسكتوا فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
للمزيد من هذه المواقف انظر صحيح البخاري كتاب الأدب باب التبسم والضحك .
وقبل أن أختم أذكر هذه القصة وهذا الموقف التربوي العظيم .. وهي قصة خوات بن حبير مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتي يرويها فيقول: نزلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر الظهران ، فخرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن فأعجنبي ، فرجعت فأخذت حلة لي من حبرة فلبستها ، ثم جلست إليهن .. وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبته فقال: يا أبا عبد الله ما يجلسك إليهن ؟ فهبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يارسول الله جمل لي شرود أبتغي له قيدًا ..! قال خوات فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالقى رداءه ، ودخل الأراك فقضى حاجته وتوضأ ثم جاء فقال: يا أبا عبد الله ما فعل شراد جملك ؟ ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في منزل إلا قال لي: السلام عليك يا أبا عبد الله ما فعل شراد جملك ؟ .. قال: فتعجلت المدينة ، فتجنبت المسجد ومجالسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما طال ذلك تحينت ساعة خلوة المسجد فجعلت أصلي فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعض حجره فجاء يصلي فصلى ركعتين خفيفتين ثم جاء فجلس ، وطولت رجاء أن يذهب ويدعني ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: طول يا أبا عبد الله ماشئت فلست بقائم حتى تنصرف .. فقلت: والله لأعتذرن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأبردن صدره .. قال: فانصرفت فقال: السلام عليك يا أبا عبد الله ما فعل شراد جملك ؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك منذ أسلمت .. فقال عليه الصلاة والسلام: رحمك الله ( مرتين أو ثلاثًا ) ثم أمسك عني فلم يعد . مجمع الزوائد ( 9 / 401 ) وقال الهيثمي رجالها رجال الصحيح .
في هذه القصة جانب تربوي هام وهو المعاتبة بالمداعبة وتكرار ذلك إلى أن يؤتي ثمرتها ، كما أن فيها جانب من الطرفة لا يخفى .
ومن هنا يخلص الداعية إلى أن أسلوب الممازحة والمداعبة من الأساليب التي قررتها التربية الإسلامية ، وجعلت فيها من الدروس التربوية والتدابير الوقائية ما هو كفيل بصياغة الشخصية الإسلامية صياغة متزنة في كل جانب من جوانب حياتها .
مداعبة الصحابة بعضهم لبعض .. ومداعبة السلف بعضهم لبعض ..
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد:-
انتهينا في الحلقة الماضية من الحديث عن أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه و تقرير مبدأ التربية بالمداعبة .. واليوم نتناول مداعبة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعضهم لبعض .. كما نعرج على بعضًا من المواقف الطريفة والتي مارسها السلف الصالح رحمة الله عليهم والهدف منها التربية الإسلامية بالمداعبة ..
فقد كان الصحابة رضي الله عنهم أجمعين يرون في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روح الدعابة والابتسامة والمرح ، فأخذوا هذا عنه - صلى الله عليه وسلم - ، فكان بعضهم يلاطف بعضًا ويداعبه ..
* ذكر الهيثمي في المجمع ( 8 / 89 ) وعزاه إلى الطبراني عن قرة قال: قلت لابن سيرين: هل كانوا يتمازحون - يعين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - - ؟ قال: ما كانوا إلا كالناس .
* وسئل النخعي: هل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحكون ؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي .
وهذه صور من مداعبة بعضهم لبعض ..
1-ذكر ابن حجر رحمه الله في الإصابة ( 3/ 185 ) في ترجمة سُوَيبط بن حَرْملة ، والإمام أحمد في مسنده (6/316 ) عن أم سلمة أن أبا بكر رضي الله عنه خرج تاجرًا إلى بصرى ومعه نعيمان و سويبط بن حرملة رضي الله عنهما وكلاهما بدري ، وكان سويبط على الزاد ، فقال له نعيمان: أطعمني ، قال - يعني سويبط -: حتى يجيء أبو بكر .
وكان نعيمان مِضحاكًا مَزّاحًا ، فذهب إلى ناس جلبوا ظَهرًا ، فقال: ابتاعوا مني غلامًا عربيًا فارهًا .
قالوا: نعم .
قال: إنه ذو لِسَان ، ولعله يقول أنا حُرّ ، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوني ولاتفسدوه عليّ .
فقالوا: بل نبتاعه .
فابتاعوه منه بعشرة قلائص ، فأقبل بها يسوقها ، وقال: دونكم هو هذا .
فقال: سويبط: هو كاذب ، أنا رجل حرّ .
قالوا: قد أخبرنا خَبرك .
فطرحوا الحبل في رقبته وذهبوا به ، فجاء أبو بكر فأُخبر ، فذهب هو وأصحابه إليهم فردوا القلائص وأخذوه ، ثم أخبروا النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فضحك هو وأصحابه منها حولًا .
2-أخرج الإمام مسلم في صحيحه (6/ 15 - 16 ) من حديث علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية عليهم علقمة بن مجزز ، وأنا فيهم ، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق ، استأذنه طائفة فأذن لهم ، وأمّر عليهم عبد الله بن حذافة ، وكان من أهل بدر ، وكانت فيه دعابة ، فبينا نحن في الطريق ، فأوقد القوم نارًا يصطلون بها ، ويصنعون عليها صنيعا لهم ، إذ قال: أليس لي عليكم السمع والطاعة ؟ قالوا: بلى . قال: فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار ، فقام ناس فتحجزوا حتى إذا ظن أنهم واقعون فيها ، قال: أمسكوا ، إنما كنت أضحك معكم ، فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكروا ذلك له ، فقال: ( من أمركم بمعصية فلا تطيعوه ) وفي رواية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة ) .
3-وإن كانت مداعبة بعضهم لبعض في بعض الفترات تتعدى القول إلى الفعل ، فقد روى البخاري في الأدب المفرد ( ص 99 ) من حديث بكر بن عبد الله قال: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يتبادحون بالبطيخ ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال .
إن النفوس حين تكون في عظمتها كهذه النفوس فلا مانع أن يتعدى مزاحها القولي إلى الفعل الذي يحقق من ورائه فائدة ، فإن هذا التبادح بالبطيخ فيه فائدة التعود على الرمي الذي أمر به - صلى الله عليه وسلم - وفسر القرآن به في قول الله تبارك وتعالى { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } [الأنفال/60] ، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - في تفسير القوة في هذه الآية كما روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه ( 3 / 52 ) فقال: ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي .
4-وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه صحب دعابة كما أخبر بذلك أبو رافع .. وهو ما ذكره الذهبي في السير ( 2 / 614 ) أن مروان بن الحكم استخلف أبا هريرة على المدينة ، فكان أبو هريرة رضي الله عنه يركب حمارًا ببرذعة ، وفي رأسه خُلبَة من ليف - أي الحبل الرقيق الصلب من الليف والقطن - ، فيسير ، فيلقى الرجل فيقول: الطريق ! قد جاء الأمير .!!
وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب ، فلا يشعرون حتى يلقي بنفسه بينهم ، ويضرب برجليه ، فيفزع الصبيان فيفرون .
وربما دعاني إلى عشائه ، فيقول: دع العُراق - العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم - للأمير . فأنظر فإذا هو ثريد بزيت .
5 -وأيضًا ما حدّث به ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب ، وهو يومئذ خليفة لمروان ، فقال: أوسع للأمير . السير ( 2 / 614 ) .
6-وري عن أبي الدرداء أنه كان لا يتحدث إلا وهو يبتسم ، فقالت له أم الدرداء: إني أخاف أن يرى الناس أنك أحمق . فقال: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدث حديثًا إلا وهو يبتسم في حديثه . انظر الشباب والمزاح ( ص 26 ) .
7 -خرج عبد الله بن عمر وعبد الله بن عياش من المسجد ، فلما كانا على بابه كشف كل واحد منهما ثيابه حتى بدت ساقه ، وقال لصاحبه: ما عندك خير ، هل لك أن أسابقك . نفس المرجع .
وإذا كان بعض الصحابة قد اشتهر بالمزاح فإن التابعين قد اشتهر بعضهم بالمزاح على جلالة قدرهم ، وعلو منزلتهم .
1-فها هو سفيان الثوري رحمه الله كما ذكر ذلك الذهبي في السير ( 7 /275 ) عن قبيصة قال: كان سفيان مزاحًا ، كنت أتأخر خلفه مخافة أن يحيرني بمزاحه .
وروى الفسوي عن عيسى بن محمد: أن سفيان كان يضحك حتى يستلقي ويمد رجليه .
2 -وكان الإمام الصوري رحمه الله فيه حسن خلق ومزاح وضحك ، ولم يكن وراء ذلك إلا الخير والدين ، ولكنه كان شيئًا جُبل عليه ، ولم يكن في ذلك بالخارق للعادة ، فقرأ يومًا حزءًا على أبي العباس الرازي وعنّ له - أي تذكر - أمرًا ضحّكه ، وكان بالحضرة جماعة من أهل بلده ، فأنكروا عليه ، وقالوا: هذا لا يصلح ولا يليق بعلمك وتقدمك أن تقرأ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنت تضحك . وكثّروا عليه ، وقالوا: شيوخ بلدنا لا يرضون بهذا ، فقال: ما في بلدكم شيخ إلا يجب أن يقعد بين يدي ويقتدي بي ، ودليل ذلك أني قد صرت معكم على غير موعد ، فانظروا إلى أي حديث شئتم من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، اقرؤوا إسناده لأقرأ متنه ، أو اقرؤوا متنه حتى أخبركم بإسناده . السير ( 17 / 629 ) .
3 -وهذا التابعي الجليل سليمان بن مهران الأعمش رحمه الله ، والذي يقول عنه الذهبي كما في السير (6/ 227 - 228 ) ما خلاصته: هو الإمام شيخ الإسلام ، شيخ المقرئين والمحدثين ، علامة الإسلام ، من كبار العباد ، لم تفته تكبيرة الإحرام قريبًا من سبعين سنة ..
كان هذا التابعي الجليل صاحب دعابة لطيفة ، ونكتة خفيفة ، وفي بعضها من الدروس التربوية ما لايخفى ، فمن ذلك:-
أ - أنه قال مرة من المرات وهو يَسْعُل ، بلغني أن الرجل إذا نام حتى يصبح - يعني لم يصل - توركه الشيطان فبال في أذنه ، وأنا أرى أنه قد سلح في حلقي الليلة . السير (6 / 231) .
ب - وأنه ذكر مرة حديث ( ذاك بال الشيطان في أذنه ) فقال: ما أرى عيني عمشت إلا من كثرة ما يبول الشيطان في أذني . السير ( 6 / 232 ) .
ت - خرج الأعمش فإذا بجندي ، فسخره ليخوض به نهرًا ، فلما ركب الأعمش - يعني على ظهر الجندي - قال الأعمش: { سبحان الذي سخر لنا هذا } ، فلما توسط به الأعمش قال: { وقل رب أنزلني منزلًا مباركًا وأنت خير المنزلين } [ المؤمنون /29 ] ثم رمى به . السير ( 6 / 238 ) .
ث - سأل أبو داود الحائك ، الأعمش: ما تقول يا أبا محمد في الصلاة خلف الحائك ؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء ، قال: وما تقول في شهادته ؟ قال: تقبل مع عدلين . السير ( 6 / 234 ) .
ج - وكان للأعمش ولد مغفل ، فقال له: اذهب فاشتر لنا حبلًا للغسيل ، فقال: يا أبه: طول كم ؟ قال عشرة أذرع ، قال: في عرض كم ؟ قال: في عرض مصيبتي فيك . السير ( 6 / 239 ) إلى غيرها من المواقف التي تجدها في ترجمته في السير ( 6 / 226 - 248 ) .
4 -قال الربيع: دخلت على الشافعي وهو مريض ، فقلت: قوى الله ضعفك ، فقال: لو قوى ضعفي قتلني ، قلت: والله ما أردت إلا الخير ، قال: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير .
5 -دخل الشعبي الحمام فرأى داود الأودي بلامئز ، فغمض عينيه ، فقال له داود: متى عميت يا أبا عمرو ، قال: منذ هتك الله سترك .
6 -ومزح الشعبي في بيته فقيل له: يا أبا عمرو ، وتمزح ؟ قال: قرّاء داخل وقرّاء خارج ، نموت من الغم .
7 -قال أحد الصالحين عن محمد بن سيرين رحمه الله: كان يداعبنا ويضحك حتى يسيل لعابه ، فإذا أردته على شيء من دينه كانت الثريا أقرب إليك من ذلك .
8 -جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال له: إذا نزعت ثيابي ودخلت النهر أغتسل ، فإلى القبلة أتوجه أم إلى غيرها ؟ فقال له: الأفضل أن يكون وجهك إلى جهة ثيابك لئلا تسرق .
9 -قيل لأحد السلف: هل نصافح النصارى ؟ فنظر إلى السائل وقال: نعم برجلك ! .
10 -قيل للخليل بن أحمد: إنك تمازح الناس ، فقال: الناس في سجن ما لم يتمازحوا . انظر: الشباب والمزاح ( ص 25 - 28 ) .
لقد كانوا رحمهم الله إلى جانب ما هم عليه من العلم والعبادة والزهد والورع ، على قدر كبير من التودد إلى الناس ، وإدخال السرور عليهم ، متأولين قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: إن من أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا .. الحديث . صحيح الجامع ( 1 / 247 ) .
النتائج التي تترتب على هذا النوع من التربية ، بمعنى آخر: المحصلة النهائية للتربية بالمداعبة ..
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد:-
انتهينا في الحلقات الماضية من الحديث عن أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أزواجه و أصحابه و تقرير مبدأ التربية بالمداعبة .. ثم عرجنا على مداعبة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعضهم لبعض .. كما تناولنا بعضًا من المواقف الطريفة والتي مارسها السلف الصالح رحمة الله عليهم والهدف منها التربية الإسلامية بالمداعبة ..
واليوم إن شاء الله نتناول النتائج التي تترتب على هذا النوع من التربية ، بمعنى آخر: المحصلة النهائية للتربية بالمداعبة ..
في هذا النوع من التربية ( التربية بالمداعبة ) بعض الجوانب الوقائية والتي تدخل في العملية التربوية والتي لها أثرها في تربية النفوس ، سواء كان ذلك هو المحصلة النهائية من الدعابة ، أو كانت في أحد مواقفها وأحداثها ..
إن النفس - وهي تعافس ضيعات الحياة - يصيبها من الفتور ما يصيبها ، فيبلى الإيمان في صدر العبد كما يبلى الثوب على ظهره ، وفي هذا المعنى يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ( إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب ، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم ) . صحيح الجامع ( 1 / 330 ) .
بل ربما تنكر للعبد قلبه في فترة من الفترات ، وهذه طبيعة النفوس البشرية ، والعبد ما بين الفينة والأخرى في حاجة إلى أن ينفض عنه غبار الغفلة وصدأ القلب ، بالترويح عن نفسه وعمن حوله ، حملًا للنفس على الخير ، ووقاية لها من الملل .
روى الإمام مسلم في صحيحه ( 8/ 95 ) من حديث حنظلة رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوعظنا فذكر النار ، قال ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة ، قال: فخرجت فقلت: يا أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: وأنا قد فعلت ما تذكر ، فلقينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت يا رسول الله: نافق حنظلة ، فقال: مه ؟ فحدثت بالحديث فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل ، فقال: ( يا حنظلة ، ساعة وساعة ، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطريق ) .
وقد ذكر النووي في شرحه للحديث ( 17 / 73 ) ما معناه: حنظلة الأسيدي هو أحد كتّاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد خشي على نفسه النفاق بمعافسة الأزواج والأولاد والضيعات ، فقد كان يحصل له الخوف في مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك بالمراقبة والفكر والإقبال على الآخرة ، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا ، وقد خشي أن يكون ذلك نفاقًا فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ساعة وساعة .
وذكر المباركفوري في التحفة ( 7 / 318 ) في بيان معنى الساعة: أي ساعة كذا وساعة كذا ، يعني لا يكون الرجل منافقًا بأن يكون في وقت على الحضور وفي وقت على الفتور ، ففي ساعة الحضور تؤدون حق ربكم ، وفي ساعة الفتور تقضون حظوظ أنفسكم .
إن الساعة الأولى التي حددها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: هي ساعة للعبادة يؤدي فيها العبد ما أوجبه الله عليه من الحقوق ، وساعة يمشي في مناكب الأرض يأكل من رزق الله ويبتغي من فضله ، يدل على ذلك حديث حنظلة السابق ، فإنه ذكر أنه يقضي ساعة في المسجد يتعلم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرائع الإسلام ، ثم يقضي الساعة الثانية بين الزوجة والأولاد والضيعات ، وفي هذا رد على الذين يظنون أن الساعة الثانية التي ذكرت في الحديث هي ساعة اللهو المحرم ، والعبث الباطل الذي وردت نصوص الشرع بتحريمه .
ومن حديث حنظلة نخلص إلى أن معافسة الزوجة والأولاد يدخل فيه جانب الدعابة والممازحة ، بتخصيص وقت لهم ، وهو من اللهو المباح الذي نص عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: ( اللهو في ثلاث ، تأديب فرسك ، ورميك بقوسك ، وملاعبتك أهلك ) . صحيح الجامع ( 2 /965 )
وخلاصة القول: إن النفس في حاجة إلى أن يكون لها فسحة في الحلال ، وفرجة في المباح ، حتى يكون ذلك وقاية لها من الملل والسآمة ، وحفزًا لها على النشاط والحيوية في استقبال أعمال جديدة بها يؤدي العبد حق ربه عليه .
وإذا اشتملت الدعابة على توجيه وتربية ، كانت أعظم أثرًا وأكثر فائدة ، وكانت إلى جانب سعادة العبد في الدنيا ، أجرًا له عند الله عزوجل في الآخرة .