وفي قصة خوات بن جبير رضي الله عنه كما مر معنا ، ما يجلي هذه الحقيقة . ففي قصة خوات بن جبير رضي الله عنه للمربين دروسًا وعبرا ، وذلك بما اشتملت عليه من الجوانب الوقائية العظمية التي لا غنى للمربي الناجح عنها ، ومن ذلك:-
1-في وقاية النفس من الإصرار والعناد ، شرع الإسلام جانب الرفق في النصيحة ، لما له من الأثر الواضح في تغيير السلوك ، وتصحيح الخطأ ، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى خواتًا بين النساء بعد نزول آية الحجاب بدليل أنه أنكر عليه ذلك ، فلم يعنفه - صلى الله عليه وسلم - بقول ولا فعل ، وإنما سلم عليه أولًا ، ثم كناه ثانيًا ، ثم لاطفه في الحديث الثاثًا ، فكان لهذا الأسلوب أبلغ الأثر في قلب خوات ، الذي لم يعد بعدها إلى مجالسة النساء أبدًا ، كما ذكر ذلك الطبراني في معجمه . انظر المجمع للهيثمي ( 9 / 401 ) .
إن على المربين أن يعقلوا حقيقة أن الرفق ما كان في شيء إلى زانه ، ومانزع من شيء إلا شانه ، وأن المربي الناجح هو الذي لا يلجأ إلى الشدة في النصح إلا بعد أن يستنفذ كل ما في جعبته من وسائل الرفق واللين ، وحين لا يجدي ذلك فقد شرع الإسلام العقوبة التي هي إحدى الوسائل التربوية الإسلامية ، وهي وسيلة علاج ناجحة تؤتي ثمارها حين لا يحقق اللين ثماره .
2 -في الوقاية من الكذب شرع الإسلام المعاريض التي يلجأ إليها عند الحاجة الماسة لئلا يقع الإنسان في الكذب المحرم ، فهذا خوات بن جبير رضي الله عنه يعرض بالجمل الذي شرد عليه ، وإنما يقصد نفسه رضي الله عنه ، ذلك أن المرأة قيد للرجل عن الحرام ، قال الله تعالى عن النساء { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } [البقرة/187] .
ولهذا بوب البخاري في صحيحه بابًا قال فيه: باب المعاريض مندوحة عن الكذب ، ثم قال ذكر قصة أبي طلحة مع زوجته أم سليم حين سألها: كيف الغلام ؟ قالت: هدأت نفسه ، وأرجو أن يكون قد استراح وظن أنها صادقة . البخاري ( 8 / 57 - 58 ) .
3-في وقاية النفس من تبلد الإحساس ، لم يكثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خوات بن جبير رضي الله عنه من المعاتبة ، لأن كثرة المساس تبطل الإحساس ، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تربيته لأصحابه يتخولهم بالموعظة خشية السآمة ، فقد روى البخاري في صحيحه ( 1/ 27 ) من حديث أبي وائل قال: كان عبد الله - يعني ابن مسعود - يُذكر الناس في كل خميس ، فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم ، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُمِلَّكُم ، وإني أتخولكم بالموعظة ، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بها مخافة السآمة علينا .
وفي رواية الإمام مسلم ( 8 / 142 ) عن شقيق قال كنا جولس عند باب عبد الله ننتظره فمر بنا يزيد بن معاوية النخعي فقلنا أعلمه بمكاننا ، فدخل عليه فلم يلبث أن خرج علينا عبد الله فقال: إني أخبر بمكانكم فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أُمِلَّكُم ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا .
ولهاذ كان من الواجب على المربي أن يعي هذه الحقيقة ، فإن الإنسان حين يحدّث كل يوم عن الموت أو النار ، أو حتى عن الجنة وما أعد الله لأهلها ، ربما فقدت النفوس - بكثرة ذلك - الإحساس ، ولكن التخول والاقتصاد يؤتي ثماره ، وهذا ما وعاه السلف رضوان الله عليهم عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ، فقد كان عبد الله بن مسعود يعظ الناس ويذكرهم بالله ، وهم يطلبون منه المزيد ، فيمتنع مع أنهم رضي الله عنهم من أبعد الناس عن السآمة والملل من ذكر الله ، ولكنها الوقاية التي تدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس .
الآثار التربوية للتربية بالمداعبة ..
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد:-
انتهينا في الحلقة الماضية من الحديث عن النتائج التي تترتب على هذا النوع من التربية ، بمعنى آخر: المحصلة النهائية للتربية بالمداعبة .. واليوم مع الآثار التربوية للتربية بالمداعبة ..
أسلوب المداعبة من أنجع الأساليب التربوية التي لها أبلغ الأثر في تربية النفوس ، كما أنها تعد من حسن الخلق ، وسماحة النفس ، وكرم الطبع ، ولين الجانب ، ومحبة الآخرين ..
إن المربي الناجح هو الذي يسخّر كل طاقاته وإمكانياته لخدمة رسالته التي يحملها ، حتى وهو يداعب غيره ويلاطفه ، حين يستغل هذه الفرصة التي تتهيأ فيها النفوس لاستقبال النصيحة ، وهذا ما أدركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يربي أصحابه بآيات الله والحكمة ، فقد كان يداعبهم ويمازحهم ويدخل السرور على أنفسهم ، حتى ثار في أنفسهم العَجب من ممازحته - صلى الله عليه وسلم - لهم ، فقال قائلهم: إنك تداعبنا يا رسول الله ! فكان الجواب يتضمن تقرير هذا المبدأ ، مع زيادة في الجواب تبين أن صاحب الرسالة وهو يداعب غيره من زوجة وأهل وولد وصديق ، لا يتنازل عن مبادئه التي يحملها ، فلا يكون جادًا في مواطن الجد متهتكًا في مواطن المزاح ، بل إن مواطن المزاح والمداعبة لتستغل في التوجيه والتربية والإصلاح استغلالًا يجعل الحياة كلها لله تعالى ..
إن المحصلة النهائية من الدعابة تكمن فيما يلي:-
1-إدخال السرور على النفس .
2-تزيل الملل الذي ربما يعلق بالنفس نتيجة لما قد يعترض الإنسان في حياته من الهموم والأحزان .
3-تبعث على النشاط والمرح والضحك الذي يغير روتين الحياة .
4-تثير في النفس محبة الناصح والراحة النفسية عند لقائه .
5-تَقَبُّل النصيحة والموعظة والتربية ، بنفسية منشرحة .
على أن القصة التي ترد وفيها من صور المداعبة ما فيها ، تشتمل على جوانب تربوية أخرى ، يحددها طبيعة الشخص والمواقف والملابسات والظروف التي تصنع هذا الحدث ..
وعودًا على بدء .. ففي قصة خوات بن جبير رضي الله عنه ، جوانب تربوية عظيمة ، فبالإضافة إلى أنها أسلوب رائع من الأساليب التي تشرح الصدر وتثير مكامن السرور في النفس ، فإنها قد تضمنت عدد من الأثار:-
1-التعامل مع الإنسان في تربيته على أنه عرضة للوقوع في الخطأ .
2-التعامل مع الإنسان على أنه كائن له غرائز وشهوات .
3-نظرة الإسلام إلى الإنسان على أنه غير معصوم من الخطأ .
4-دعوة المسلم إلى حسن المظهر ، ليكون في وجوه الناس كأنه شامة .
5-الحذر من الكذب الذي يهدي إلى الفجور ، ثم إلى النار .
6-التعريض في الحديث حين لا يريد الإنسان الإدلاء بالحقيقة لمصلحة ما ، فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب .
7-التكرار - المعتدل - في عرض أسلوب التربية والتوجيه لتتحقق الفائدة المرجوة منه .
8-الدعاء للمسلم المخطئ وتكرار ذلك .
9-الحذر من التكرار الممل الذي يبعث السآمة في النفوس ، أو لربما كان سببًا في تبلد الإحساس .
وختامًا:-
من روعة الإسلام في تربيته لأتباعه ، أنه ما جعل طرائق التربية وأساليبها على صورة واحدة ، لأنه ربما تملها النفوس ، وتسأمها القلوب ، وإنما جعل لذلك أساليب متعددة ، وطرائق متجددة ..
-فتارة يربي بالقدوة التي هي من أعظم الأساليب التربوية على الإطلاق - وما أحوجنا إلى القدوات - ؛ لكونها ترسل إلى الغير رسالة صامتة على أن هذا هو الحق وأن تطبيقه ليس بالأمر المستحيل ، بل هو في متناول الجميع ، وفي مقدور كل أحد ، وليست الأمة اليوم في حاجة إلى شيء أكثر من حاجتها إلى قدوات في كل ميدان .
-وتارة يربي بالقصة التي ترسل إلى الآخرين رسالة مؤثرة بما تشتمل عليه من الدروس والعبر والمواقف ، مع ما تشتمل عليه من قوة التأثير ، حين تشد الإنتباه وترحك الوجدان ، وتثير الانفعال وتحدث الإقناع .
-وتارة يربي بضرب الأمثال حين يربط بين معنيين أحدهما غائب عن النفس والآخر حاضر مشاهد ، فتقريب صورة الغائب عن الحس إلى عالم المحسوس المشاهد ، مثيرة للعقل والقلب والعاطفة على حد سواء .
-وتارة يربي بالأحداث ، فيستغل كل حدث يقع ليعطي فيه صورة مؤثرة من التربية والتوجيه ، فتظل تعلق بخفايا النفس فترة طويلة من الزمن .
-وتارة يربي بالترغيب والترهيب في موازنة مدروسة ، لتقارن النفس حين تسمع الخير ونتائجه وآثاره ، ثم تنتقل إلى الجانب الآخر فتسمع الشر ونتائجه وآثاره ، لتقارن بين الحالتين .
-وتارة يربي بالمداعبة التي تدخل السرور إلى النفس وتمهد الطريق للنصح والتوجيه في أسلوب محبب .
-وقد يدعو الإسلام إلى التربية بالعقوبة !! حين تستنفد كل الوسائل التربوية السالفة الذكر ، فجعل للوالد سلطة في ضرب - الغير مبرح - أولاده ، وجعل للزوج سلطة في ضرب زوجته ، وجعل العقوبات والتعازير لكل من تسول له نفسه العدوان على الأفراد أو المجتمعات وكل ذلك بالضوابط الشرعية التي قررها الإسلام .
إلى غير ذلك من الأساليب الكثيرة التي حفلت بها التربية الإسلامية ، وإنما كان السر في ذلك - أي السر في تنوع هذه الأساليب - حسب تصوري حتى لا تمل النفس ويتبلد إحساسها حين يتكرر عليها أسلوب واحد من هذه الأساليب التي ذكرت آنفًا ، فتفقد على أثر ذلك تربيتها الصحيحة .
و الله أعلم والحمد لله رب العالمين ..
أخوكم: أبو عبد الله الذهبي ..
ــــــــــــــــــ