فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 226

السبب الثاني عشر: التعلق في الالتزام بالدين بالأحياء من الصالحين ، وإنه السوس الذي ينخر في دين الإنسان من حيث لا يشعر ، فكم يفرح المرء بهدايته ، غير أنه لم يهتد إلا لأجل إعجابه بشخصية فلان ، أو استحسانه صوته أو صورته ، حتى يصل الأمر بأن يتبعه في كل شيء ، ويقلده في كل أمر ، فإذا ما أصيب قدوته بالفتور ، لحقه فيه دون تردد ، ولو انتكس ، انقلب كما انقلب على عقبيه ، وإنه لا يضر الله شيئا .

إنه يجب أن نقتدي في سائر عباداتنا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبسلفه الأخيار ، لا نرتضي بهم بدلا ، وليكن ذلك نبراسنا في دعوتنا الناس إلى منابر الهداية المضيئة ، فإن الأحياء لا تؤمن عليهم الفتنة .

(1) رواه الإمام أحمد ، وهو صحيح .

يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ( من كان منكم مستنًا ، فليستن بمن مات ، أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، كانوا خير هذه الأمة ، أبرها قلوبًا ، وأعمقها علمًا ، وأقلها تكلفًا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ونقل دينه ، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم ، فهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا على الهدي المستقيم ) (1) .

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح

السبب الثالث عشر: الانشغال بالعلوم العلمية البحتة ، والانفتاح على شتى وسائل تحصيلها ، من دون تفريق بين ما حلّ منها وما حرم ، كالتعذر في تعلم اللغة الإنجليزية برؤية الأفلام الأجنبية ، أو الاطلاع على مواقع منحلة في شبكة الانترنت ، أو السفر إلى الخارج من غير أخذ الأهبة الدينية التي يجب أن يتسلح المسلم بها قبل ذهابه إلى هناك ، أو السكن مع إحدى الأسر الكافرة ، والاختلاط بهم ؛ بحجة إجادة التعلم والاضطرار إليه .

فكم فجع الإنسان في دينه ، حينما رأى نفسه تنحدر من سبيل التعليم إلى سبيل الغواية والانحلال ، وما ذاك إلا بسبب نظرة محرمة ، وإنها لتقع في قلبه كالسهم المسموم ، الذي يردي قلبه بعد الحياة ميتًا ، وبعد الهداية ضالًا ، فليحكّم الإنسان الشرع في أفعاله وتصرفاته ، ولا يكن مفتيًا لذاته ، حاكمًا بهواه ، { وما كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } .

(1) رواه أبو نعيم .

السبب الرابع عشر: الغفلة عن محاسبة النفس ، فترى أحدنا يسير في هذه الدنيا ولم يجعل على نفسه حسيبًا ، فتكثر عثراته ، وتتضاعف زلاته ، لا يعرف ما فعل ، ولا يدرك ماذا قال ، ولا يتراجع عن خطأ ، ولا ينشط لفعل طاعة ، كل تصرفاته مرتجلة ، لا يضع لنفسه أهدافًا ، ولا يسأل نفسه ماذا أنجز في يومه ، وكم قصّر في حق ربه ، وكم ضيّع من حقوق عباده ... .

فهل حاولنا أن نخلو بأنفسنا ساعة نحاسبها عما بدر منها من الأقوال والأفعال ؟ وهل حاولنا يومًا أن نعد سيئاتنا كما نعد حسناتنا ؟ بل هل تأملنا أن طاعتنا قد لا يخلو بعضها من الرياء والسمعة ، كيف القدوم على الله _يا عباد الله _ ونحن لأنفسنا غير محاسبين ، ولحساب الله غير مطيقين ، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا ، فإن أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم ، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) ).

إن محاسبة النفس _ أيها الأحبة _ هي من شأن الصالحين الأتقياء ، المخبتين الأنقياء ، المنيبين الأصفياء ، الذين لبوا نداء الرحمن حينما قال: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .

ألم تروا إلى الصديق - رضي الله عنه -كيف كان يمسك بلسانه ويقول: ( هذا الذي أوردني الموارد ) ، ألم تسمعوا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يضرب نفسه بدرته فيقول: ماذا فعلت اليوم ؟ وأن الأحنف بن قيس - رضي الله عنه - كان يضع إصبعه على السراج فيقول: لماذا فعلت كذا وكذا يا حنيف ؟

إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل

-فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدًا ... فإنما الربح والخسران في العمل

قال ميمون بن مهران: ( لا يكون العبد تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه ، ولهذا قيل:( النفس كالشريك الخوان ، إن لم تحاسبه ذهب بمالك ) .

أخي الحبيب: إن محاسبة النفس في الدنيا ، كفيلة أن تريحك من عناء الحساب في الآخرة ، فإن من نوقش الحساب فقد عذب ، أما يكفيك بذلك أن تتعرف على أخطاء نفسك فتصلحها ، أما يحثك هذا على الندم على اقتراف الذنب ، والإقلاع عن المعصية ، أما تشعرك مساءلة نفسك بعفو الله وحلمه عليك أن لم يعجل عقوبته بك ، أو يقبضك على ما أنت عليه من المعصية ، أما تعطيك مراجعتك أعمالك دفعة قوية للاجتهاد في العبادة وفتح صفحة جديدة ناصعة البياض ، هدفك فيها أن تملأها بالطاعة والإحسان ؟

يقول الحسن البصري: ( إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه ، وكانت المحاسبة همته ) .

علاج الفتور

إذا كنا قد عرفنا جملة من أسباب الفتور في العبادة ، ووضعنا أيدينا على الداء ، فقد جاء دور الكلام على الدواء .

إن الدواء الناجع لداء الفتور هو بإيجاز قطع كل الأسباب التي سبق ذكرها ، التي من شأنها أن توقع المسلم في خنادق الفتور ، ومهاوي التقصير ، ليسلك بدلها وسائل الثبات ، وطرق الالتزام بالهداية ، فيعظم العبد ربه في قلبه ، ويطبع هذا التعظيم على أقواله وأفعاله واعتقاده ، ويتّبع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بلا زيادة أو نقصان ، ويضع الموت والنار والجنة نصب عينيه ، يرجو رحمة ربه ، ويخاف عذابه ، معظمًا في ذلك شعائر الله ، فإن ذلك من تقوى القلوب ، متعاهدًا لنفسه بالمحاسبة ، وبالرفقة الصالحة ، وبالوعظ والتذكير ، مبتعدًا عن طرق الهوى والفتنة بشتى وسائلها ، مرددًا دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ) (1) .

أسأل الله سبحانه أن يحبب إلى إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا ويكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ويجعلنا من الراشدين .

(1) رواه مسلم .

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، وأدخلنا الجنة مع الأبرار ، برحمتك يا عزيز يا غفار .

وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأجمعين .

لإبداء النقد البنَّاء اتصل على جوال: 054930209

والبريد الإكترونيbomazenf@maktoob.com

ــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت