فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 226

وجاءت صلاة العصر، فصلى معي أربعةٌ من العمال المسلمين.. وفي المغرب عشرة..

وازداد العدد من غدٍ.. واليوم أتيتُك وما في العمال المسلمين واحدٌ إلا وهو يُصلي معنا.. في صفٍ واحدٍ كالبنيان المرصوص..! ....""

ثم أطرق الشيخ برأسه.. والعبراتُ تكاد تهز صدره العامر بالنور - نحسبه كذلك - هزًا..!

والحاضرون صامتون كأن على رؤوسهم الطير.. حتى رفع الشيخ رأسه.. وقال وهو يتبسم:

أتدرون.. أن في فرنسا اليوم خمسةَ آلاف مسجد..؟! ..""

هذا حديثُ من جاوز التسعين..!

وتلك هي همتُه وهمُّه.. شاب فوداه ومازال قلبه شابًا بحب الخير للغير.. وبدلالة الناس إلى الهُدى.. ينطق بذلك حالُه، وتجهر بذلك أحاديثُه وحكاياتُه، ومزحُه ودعابتُه.. وهو يجتهد في أن تكون كل حركةٍ وسكنةٍ لله، عبادةً.. ونصحًا..!

وهي تجربة من رأى العمل والبذل خيرًا من الجدال والمراء..

فالشيخ ممن يُنسبون إلى جماعة ( التبليغ ) التي سيمت بألوانٍ من التشنيع الهادم والنقد الجارح.. وكان أهلُها غرضًا لبعض سهام أولئك الذين اكتفوا بالقيل والقال.. فلا هم كفّوا ألسنتهم عن أعراض إخوانهم العاملين للدين، ولا هم عدّلوا ( بالعمل ) ما يرونه من اعوجاجٍ لا يسلم منه بشر، ولا هم سدوا الثغور التي كُفيت بأمثال الباذلين الصادقين..!

[ فأما الزبدُ فيذهب جُفاءً.. وأما ما ينفعُ الناس فيمكث في الأرض..]

ذاتُ الحجاب.. حين يغلب الأريجُ العفن..!

في بنايةٍ شامخة تُطل على شارعٍ من شوارع العاصمة التي ذاع صيتها في الفساد والإفساد.. وفي مجتمعٍ شهيقُه الفُحش وزفيرُه الخنا.. هناك التقى بها..!

ما كان يخطر بباله أنه سيجد هناك ما تقر به العينُ وينشرح له الصدر.. فكل ما حوله ينطق بما يسوء الناظرين.. وهو على كثرة تجواله في بقاع الأرض لا يذكر أن هناك بلدًا تفوق هذه البلاد في انتشار مظاهر الفساد والعُهر..

لكن الله ساقه إلى ذلك الشارع المتفرع عن الطريق الرئيس ليرى بعينه ما لم يكن يحتسب.. وليوقن أن النور ينبتُ حيث يشتد الظلام.. وأن النفوس المؤمنة الصابرة هي التي تصمدُ حينَ تهتز القلوب المترددة.. وأن الثبات وقتَ الفتن أمارةُ القلوب اللاجئة إلى ركن ربها الشديد..!

هناك وقعت عيناه على لوحةٍ تتلألأ بين ركام الباطل الزهوق.. منقوشٌ عليها بحروف كأنما هي عرائس من نور: [ مدرسة لتعليم القرآن الكريم..]

أتراه يحلم..؟! ..

أخذ يفرك عينيه ليستيقن من أنها تبصر ما رأى.. وأعاد قراءة المسطور على اللوحة.. فارتد إليه البصرُ هانئًا وهو سعيد..!

لم تكن قدماه بحاجة لأمر ينتقل عبر السيالات العصبية إليها لتتجه صوب مدخل البناية.. بل انطلقت من فورها تسابق البصر.. لينتشي بأريج الخير يتسلل إليه وسط العفن الذي ملأ المكان هناك..

وعند المدخل توقف قبالة لوحة إعلانات منصوبة يمين الداخل.. مكتوبٌ عليها نبذة عن المدرسة.. اسمُها.. وتاريخ إنشائها.. وعدد طلابها.. ومشاريعها القائمة.. فما زاده المكتوبُ إلا إسراعًا في الدخول..

على المكتب الصغير الأنيق جلس شابٌ من أهل تلك البلاد.. قام إليه فصافحه ورحب به.. ووجهه مستنير بأنوار الطاعة التي تنعكس عليه من وهج الإيمان، كما يعكس البدرُ ضوء الشمس..!

فدار بينهما حديثُ الروح للأرواح، يسري.. ثم سأله عن قصة هذه المدرسة.. فنهض الشاب وقال وهو يهمّ بالخروج:

** دعها تحدثك عنها..!

لم يكد يمض وقتٍ وجيز حتى عاد الشاب ومعه فتاةٌ تمشي على استحياء.. وكانت محتشمة متنقبة.. لا يُرى منها شئٌ أبدًا.. فجلست على أريكة بعيدة عنه.. والشاب يُشير إليها ويقول:

** هذه زوجتي أم عبدالعزيز.. هي صاحبة الفكرة.. وهي المشرفة على قسم الفتيات في المدرسة..!""

وانطلقت الفتاةُ تتحدث بحماسٍ عن المدرسة.. كيف بدأت الفكرة.. وما الدافع إليها.. ومتى أحست بجدواها..!

وأخذت تحكي قصة هدايتها التي أراد الله لها.. لتصبح مشرفةً على المدرسة بعد أن كانت مجرد ( رقم ) في عِداد الفتيات اللاهثات وراء مظهرٍ أجوف أو زينةٍ لا تكاد تنقضي..

إنها النفوس التي أراد الله بها خيرًا.. فكشف عنها حُجب الأهواء والتسويل.. فأضحت تبصر بعين البصيرة حقيقةَ الحياة:

عبادةٌ لله..

وصبرٌ على طاعته.. وعن معصيته..

وتواصٍ بالحق وبالصبر..

يعقبُ ذلك كلَّه سعادةُ الدنيا.. ونعيمُ الآخرة..!

كان تُحدثه بصوتٍ لا خضوع فيه ولا تكسر.. وهي تؤكد على أن الواجب على المصلحين يتعاظمُ بتعاظم الشر والفساد.. وأن الناس يستوون وقت الرخاء.. لكنهم يتمايزون عند الشدائد..

يتمايزون بإيمانهم وثباتهم.. ويتمايزون بعملهم ونشاطهم.. ويتمايزون باستعلائهم على المُحيط الذي يغرق في حمأة الارتكاس اللاهث وراء سراب سعادةٍ.. تجري خلفه الأوهام؛ فإذا ما جاءته لم تجده شيئًا.. سوى الألم والشقاء..!

لم يكن صاحبُنا يدرك كم من الوقت مضى.. فقد حلّق خياله في التفكير والتساؤل:

ألم يكن من السهل عليها - إن لم تنجرف مع المنجرفين - أن تلزم بيتَها، وتُغلق الباب دونها ودون زوجها وولدها..؟!

أَوَ لم تعذرْ نفسَها بعنفوان الشباب ونشوة الصِبا.. وتتكئ على حجج الواهمين الداحضة؛ حين يبررون كل نزوةٍ بطيش المراهقة..؟!

رحماك ياربي..!

ما أسهل أن نعذر نفوسَنا..!

وما أيسر الأمر على الضعيف الواهن المهزوم؛ أن يكيل اللوم على من حوله.. أو ( ما ) حوله.. خاصةً إن ابتُلي الهارب بمحيطٍ ( قد ) يُبرر له التساهل أو الانجراف وراء ريح الأمر الواقع..!

وسيكون الشيطان حاضرًا ليمد النفس المتهوكة بالأعذار والمبررات.. فلا أحد أمهرٌ منه في في البحث عن مداخل يلجُ منها إلى القلوب الطيبة..

وإنما هي ( خطواتٌ ) تبدأ بالتبرير والتحجج.. ولربما انتهتْ بالانتكاس والارتكاس..!

ويوم يقوم الأشهاد.. يعلم العاذرُ نفسه بأعذار الأوهام أنه هو الخاسرُ الأول.. وأن الحصن إذا انهزم حراسُه وهُدمت أسواره؛ فإن العدو سيجتاز العقبة الأخيرة بيسرٍ.. فيتمكن من أغلى ما يملك الإنسان: دينه وإيمانه..!

نسخةٌ مع التحية والدعاء:

للقابضين على الجمر والقابضات.. ليثبتوا.. ويزداوا يقينًا بتأييد الله لمن استمسك بحبل الله..

ولليائسين من الواقع.. ليتفاءلوا.. وليعلموا أن اليأس لا يصنع شيئًا..!

وللأخوات المؤمنات.. ليعملن.. وليُدركن أن في أيديهن الكثير..!

همةٌ + فهم + تفاؤل + تخطيط + عمل 18 ألف بيتٍ.. يلهج بالدعاء..!

الآمال كالورود..

تُزهر بمياه الأمل.. وتذوي بجفاف اليأس والقنوط..!

والنفوس المتفائلة وحدها هي التي تمضي نحو مرادها بثباتٍ ويقين.. وهدوء.. ، وهي التي يأنس من حولها بها، ويميلون إليها حين ادلهام الأفق بما لا يسر في ظاهره..

وبتلك القناعة المشرقة كانت نواةُ [ مستودع المدينة الخيري ] .. كانت بخيمةٍ ذات عمود واحد.. وبهمة شخص واحد.. وبنشاط مقصورٍ على تفطير بعض الصائمين..!

البداية تبدو عادية مكرورة.. فما أكثر خيام التفطير وهي تنتشر في أماكن كثيرة من بلاد المسلمين.. لكن الفرق في الطموح المتفائل الذي كان يحمله الشيخ الدكتور يحيى اليحيى.. الطموح الذي يجعل الآمال تجاوز حيز الأحلام إلى العمل المتدرج الواقعي..!

وهو الفهم الواعي.. الذي جعل تلك الخيمة ذات العمود الواحد تتمدد بمساحتها لتصبح مستوعاتٍ ضخمة جدًا.. موزعة على 11 فرعًا وثمانية مندوبيات، تقدم خدماتها لأكثر من 18 ألف عائلة.. كل عائلة مكونة من عدد من الأفراد..!

إنه العمل الجاد المتدرج المدروس.. الذي يحوطه الأملُ من بداية التخطيط على الورق، ويُصاحبه التفاؤل أثناء الانتقال إلى العمل الجاد..

فخلال سنوات قلائل.. صارت تلك الخيمة الصغيرة مجرد قطعةٍ في إحدى مستودعات المشروع.. لكن المعاصرين لبدايات المشروع يعلمون أنها خيمةٌ مميزة.. خرج من رواقها المشروع كله..!

واليوم.. صار الشيخ الدكتور يحيى اليحيى يشرف على هذا المشروع.. ويلمس بنفسه حصادَ الجهد والجد اللذين بذلهما من أجله.. ويأنس بعاجل بشرى المؤمن.. الذي يُكرمه الله بجني ما رعى من زروع وخمائل حتى صارت أشجارا ذات ظلال ورافة.. يستظل بأفيائها آلاف المسلمين..!

وبشعار ( الفقير.. نعرفه ولا يعرفنا.. ونأتيه ولا يأتينا..!) ما عاد نشاط المستودع الخيري محصورًا في مجرد المساعدة المادية فحسب.. وإنما تجاوز ذلك إلى التأثير الدعوي التربوي في الناس الذين ينعمون بخدماته.. وصار نشاطه موزعًا على أبواب كثيرة:

• بلغت فروع المستودع في المحافظات 6 فروع قائمة و5 فروع تحت الإنشاء بالإضافة إلى 8 مندوبية.

• وعدد الموظفين العاملين في المستودع 18 موظف.

• وعدد العمال والفنيين 52 عاملًا.

• و518 باحثًا اجتماعيًا.

• عدد المتعاونات في القسم النسوي: 11 متعاونة.

• و 17,900 أسرة مستفيدة من المستودع في المدينة المنورة والمحافظات والقرى من الأيتام ، والأرامل ، والمطلقات ، عوائل السجناء ، والمرضى والفقراء والمساكين .

• و 300 أسرة تم تأهيلها وقد تحسن مستواها المعيشي .

• و795 شاحنة أثاث تم صرفه للأسر المستفيدة:580 شاحنة منها للمدينة المنورة ، و215 شاحنة للمحافظات والقرى .

• و 3,411 أسرة مستفيدة من صالة الكسوة في المدينة .

• و 8.450 أسرة مستفيدة من الكسوة في المحافظات القرى والهجر .

• و 1.790.000 وجبة قدمت لضيوف الرحمن في عام 1421ه‍.

• و 6,551,679 وجبة قدمت لضيوف الرحمن حتى الآن.

• و 140.000 وجبة إفطار قدمت للصائمين في رمضان عام 1421ه‍.

• و 4,256,501 وجبة إفطار قدمت للصائمين في رمضان حتى الآن.

• و 2.487 أسرة مستفيدة من المواد الغذائية شهريًا داخل المدينة المنورة .

• و 15.425 أسرة مستفيدة من المواد الغذائية موسميًا في المحافظات والقرى .

• و 8,500 حقيبة مدرسية تم توزيعها حتى الآن .

• و 22,731 بطانية جديدة تم توزيعها على الأسر المستفيدة .

• و 600 جهاز جديد من الأفران والغسالات والمكيفات تم توزيعها حتى الآن .

• و 800 شاب من أبناء الأسر المستفيدة استفادوا من مركزين صيفيين حتى عام1422ه‍.

[ وكل هذه أرقام قديمة نوعًا ما.. ! ]

أرأيتم.. كيف يتحول الحلم إلى واقع جميل مشرق.. بإخلاصٍ يعمر القلب.. وبشئ من التفاؤل.. وبكثيرٍ من التخطيط ثم العمل..؟!

انظروا هنا: http://www.alkhairi.com/

ــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت