قلت: الحياةُ هي التحركُ *** لا السكونُ ولا الهمود
وهي التلذذ بالمتا *** عب لا التلذذُ بالرقود
هي أن تذود عن الحياض *** وأي حر لا يذود؟
هي أن تحسَّ بأن كأسَ *** الذل من ماء صديد
15 -ضعفُ الصلة بالله تعالى: فيقلُّ نصيبُهُ من نوافل الصيام والصلاة والصدقة، فإذا قل زادُهُ وانتهى وقوده تعطل من العمل، ولهذا كان السلف الصالح من أحرص الناس على تربية أنفسهم على التزود من الطاعات.
قال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه، يذكر الله حتى تطلع الشمس ويخبرنا عن السلف: أن ذلك كان هديَهم، فإذا طلعت الشمس، قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله، والتفقه في دينه.
وقال ضمرة بن ربيعة: حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومائة، فما رأيته مضطجعًا في المحمل في ليل ولا نهار قط، كان يصلي، فإذا غلبه النوم استند إلى القتب.
قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا بشر بن المنذر قال: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.
وكان يحيي الليل صلاة وقرآنًا وبكاء، وكانت أمه تدخل منزلَهُ، وتتفقدُ موضعَ مصلاه، فتجده رطبًا من دموعه في الليل.
قال ابن المنكدر: إني لأدخل في الليل فيهولُني، فأصبحُ حين أصبحُ وما قضيت منه أربي.
وعن ابن جريج: صحبت عطاء ثمانيَ عشرةَ سنة، وكان بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من البقرة وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك.
عن نسير بن ذعلوق قال: كان الربيع بن خيثم يبكي حتى يبل لحيتَهُ من دموعه فيقول: أدركنا قومًا كنا في جنوبهم لصوصًا.
16 -الزواجُ وكثيرًا ما يقع لمن تأخر عن الزواج أو من يعدد بعد زوجة تؤذيه، فينشغلُ بلذة الشهوةِ عن الدعوة.
عن جعفر قال: وسمعت مالكًا يقول: ينطلق أحدهم فيتزوج ديباجةَ الحرم، قال: وكان يقال في زمان مالك ديباجةُ الحرم أجملُ الناس، وخاتونَ امرأةَ ملك الروم، أو ينطلق إلى جارية فقد سمتها أبواها وترفوها حتى كأنها زبدةُ فيتزوجها، فتأخذ بقلبه فيقول لها: أي شيء تريدين؟ فتقول: خمارًا حسني، وأي شيء تريدين؟ فتقول: كذا وكذا، قال مالك: فتمرط والله دينَ ذلك القارئ ويدع أن يتزوج يتيمةً ضعيفةً فيكسوها فيؤجر.
17 -عدم التوازنِ في جوانب العبادةِ وإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه كما قال - صلى الله عليه وسلم -: إن لنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه فينشغل بجوانب الخير وطرقه، وينسى بعضَ الواجبات عليه، أو يغفلُ عنها، أو يهملها، أو لا يلقي لها بالا.
وفجأة يرى نفسه مثلا مفرطًا في بر الوالدين وصلة الأرحام، أو يرى نفسه مفرطًا في جانب ولده وأهله، وأنه لم يقم بتربيتهم على الوجه المطلوب، أو غير ذلك من الأمور فيحمٍلُ ذلك على انشغالِهِ بالدعوة فيفتر ويتركها.
ولو أن هذا الأخَ وازنَ بين الواجبات والمستحبات، وأعطى كل ذي حق حقه ونصيبَهُ، ما ترك شيئا من طرقِ الخير وأهملَهُ.
18 -دخولُهُ في عمل لا يتلاءمُ مع شخصيته وتكوينه وطاقاته وقدراته، فيفشلُ فيصاب بإحباط فيدع العمل، ولا يحاول التغيير.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قيمةُ كل امرئ ما يحسنه
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ـ متباينين في الطاقات والقدرات، وكل أخذ بالعمل الذي يحسنه، وما رؤي أحد منهم عاطلًا عن العمل، فخالد سيف الله المسلول، وأقرؤكم أُبَي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل.
وهذا أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ من أكبر المؤثرين في الدعوة، حتى أسلمت جلُّ غفار على يديه، ومع ذلك لا يصلح للإمارة كما أخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
19 -يريد عملًا يتوافق مع خواطره وتخيلاته، وهذا العمل غيرُ متمثل في واقعه، أو غيرُ ممكن تطبيقه. فتتحول نظراتُهُ وخواطرُهُ إلى خيالات مثالية، ويعتذر بها عند كل من يطلب منه أن يشارك في خير، أو إصلاح.
وقال ابن مسعود: إذا أراد الله بعبد خيرًا سدده وجعل سؤاله عما يعينه وعلّمه فيما ينفعه.
قال زيد بن علي لا بنه: يا بني اطلب ما يعنيك بترك ما لا يعنيك فإنه في تركك ما لا يعنيك دركًا لما يعنيك، واعلم أنك تقدم على ما قدمت ولست تقدم على ما أخرت فآثر ما تلقاه غدًا على ما لا تراه أبدًا.
20 -استعجالُ الثمرة واستبطاءُ الطريق:
ونسي أنه وقف لله تعالى، يذهب مع مرادات محبوبه أينما توجهت ركائبها لا يبتغي لها أجرًا، ولا ينتظر منها ذكرًا، قالت فاطمة بنت عبد الملك تصف زوجَها عمرَ بن عبد العزيز: كان قد فرغ للمسلمين نفسَهُ، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه وصل يومَهُ بليلته.
قال بعض أصحاب عمر بن عبد العزيز القدامى لعمر: لو تفرغت لنا فقال: وأين الفراغ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله.
قالوا عن محمد بن أحمد الدباهي: لازمَ العبادةَ، والعملَ الدائم والجد، واستغرق أوقاته في الخير.. صلبٌ في الدين، وينصحُ الإخوان، وإذا رآه إنسان: عرف الجدَّ في وجهه.
ولما تعجب غافل من باذل وقال له: إلى كم تتعب نفسك؟ كان جواب الباذل سريعًا حاسمًا: راحتها أريد.
عجبت لهم قالوا: تماديت في المنى *** وفي المثل العليا وفي المرتقى الصعب
فاقصر ولا تجهد يراعك إنما *** ستبذر حبا في ثرى ليس بالخصب
فقلت لهم: مهلًا، فما اليأس شيمتي *** سأبذر حبي والثمار من الرب
إذا أنا بلغت الرسالة جاهدا *** ولم أجد السمع المجيب فما ذنبي؟
21 -الانفصالُ عن الأخيار العاملين: فيبقى يصارع الشيطان وحده، فيجتمع عليه الهوى والنفسُ الأمارةُ بالسوء والشيطانُ حتى يغلبوه، وهذا السر في قوله - صلى الله عليه وسلم -: إنما يأكل الذئبُ القاصية رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وقد كان السلف الصالح لا يراهنون على إخوانهم أبدًا حتى وصل بهم الأمرُ أن يقرنوهم بالصلاة في أهميتها وعظمها.
عن محمد بن واسع قال: ما بقي في الدنيا شيءٌ ألذُّ به إلا الصلاةَ جماعة ولقيا الإخوان.
وقال الحسن البصري: لم يبق من العيش إلا ثلاثٌ: أخٌ لك تصيب من عشرته خيرًا، فإن زغت عن الطريق قومك، وكفافٌ من عيش ليس لأحد عليك فيه تبعة، وصلاةٌ في جمع تُكفى سهوَها، وتستوجب أجرَها
قال الحسن البصري عن المؤمن: هو مرآةٌ، إن رأى منه ما لا يعجبه: سدده وقومه ووجهه، وحاطه في السر والعلانية.
فالعين تنظر منها ما دنا ونأى*** ولا ترى نفسها إلا بمرآة
قال عمر بن عبد العزيز: من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجبَ حقه...
قال الشافعي رحمه الله: ما نصحت أحدًا فقبل مني إلا هبتُهُ واعتقدت مودتَّهُ، ولا ردَّ أحد علي النصحَ إلا سقط من عيني ورفضتُهُ .
وقد وصف الله أهل الزيغ بأنهم لا يرغبون في النصح ولا يحبون أهله قال تعالى: { وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ }
ما عاتب المرءَ الكريمَ كنفسه *** والمرءُ يصلحه الجليس الصالح
22 -التفكير العقيم بأن مجالات الدعوة محدودةٌ برقم محدد وقد أغلقت كلُّها، أو أنه لا يحسنها، فيفترُ ولا يحاول التفكيرَ بأساليبَ جديدةٍ، أو يستصعبها فيتركها.
ومن ظن أن أحدًا من المخلوقين كائنًا من كان يستطيع أن يغلق جميع منافذ وسبل الدعوة فقد ظن بالله ظن السوء وما قدر الله حق قدره، قال تعالى: { يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ } ، قال ابن القيم: ومن ظن إدالةَ أهلِ الكفر على أهل الإسلام إدالةً تامة فقد ظن بالله ظن السوء، قال ابن الجوزي: ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعودٌ وترقٍّ، كلما عبروا مقامًا رأوا نقصَ ما كانوا فيه فاستغفروا.
عن هارون البربري قال: كتب ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز: إني شيخ كبير رقيق، كلفتني أن أقضي بين الناس - وكان على الخراج والقضاء بالجزيرة - فكتب إليه: إني لم أكلفك ما يُعنِّيك، اِجب الطيبَ من الخراج، واقض بما استبان لك، فإذا لَبِّس عليك شيءٌ، فارفعه إلي، فإن الناس لو كان إذا كبر عليهم أمرٌ تركوه، لم يقم دين ولا دنيا.
وقد تسيطر على تفكيره بعض مجالات وطرق الدعوة، ويتصور أن نشر هذا الدين والدعوة إليه لا تكون إلا بها! كمن يرى أن الدعوة هي في المحاضرات، والدروس، أو نشر شريط وكتاب، ونسي الطرق الأخرى مثل الدعوة بالقدوة الحسنة، والكلمة الطيبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم وتوجيههم ونصحهم، والتلطف للناس وحسن معاملتهم الخ.
23 -التنقل بين البلدان والاصطدام بواقع لا يعرفه: فلا يخطط للعمل في الموطن الجديد، ولا يعمل ذهنَهُ في الوسائل المناسبة، فيصطدمُ من أول يوم بوضع غير الذي يعرفُه بسبب تقصيرِه في فهم البلد وأنظمتِه، أو عاداتِ وتقاليدِ أهله، فيصاب بإحباط ويدعُ العمل.
أو يتعلقُ ببلد معين ويستميت في الوصول إليه والسكن فيه بحجة أنه أفضل، أو أن البلد الذي فيه لا يستحقُّ جلوسَ أمثاله فيه.
ونسي أنه عاملٌ وداعية، أرضُه وبلده التي يتمكن فيها من نشر دعوته بين الناس، وإخراجهم فيها من الظلمات إلى النور، فقد يكون بلدُ بنفسه فاضلًا على غيره، لكن المفضول أحيانًا يكون أفضلَ منه للمسلم لهذه الحيثية.
قال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود .
قال ابن تيمية: ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرضٌ يكون فيها أطوعَ لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرض يكون مقامُ الإنسان فيها أفضلَ وإنما يكون الأفضلُ في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة! فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس العبد عمله، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا.
24 -يقع في معصية فيستثمرها الشيطان ويرابي بها، ويقول: كيف تدْعُو إلى الله تعالى وأنت وقعت في كذا وعملت كذا، فلا يزال به حتى يقعده عن العمل والطاعة فيضيف إلى معصيته معصية أخرى وهي القعود عن أعمال الخير.
ونسي أخونا الكريم أن الحسنات يذهبن السيئات.
25 -المنافسة بين الأقران: فإذا رأى أن قرينه قد فاقه في علم أو عمل تعاظم ذلك في نفسه، وكره أن يمشي معه في سبيل واحد، واختار القعود على أن يقال: إنه أقل من فلان وفلان، ونسي: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
26 -حب الرياسة والعلو: فحين يرى أنه لم يتبوأ مركزًا في الدعوة، يتعاظمُ أن يكون تابعًا لغيره أنفةً وترفعًا وكبرًا، وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي والدارمي عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ - صلى الله عليه وسلم -: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ.
قال الفضيل بن عياض: ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكرَ الناسُ أحدًا عنده بخير، ومن عشق الرياسة فقد تُودِّع من صلاحه.
قال عبيد الله بن الحسن العنبري: لأن أكون ذنبًا في الحق: أحبُّ إلي من أن أكون رأسًا في الباطل.
قال ذلك حين رجع عن أقوال له خالفت السنة، فقيل له في ذلك وأنك لم تعد في مكانتك السابقة لما كنت على تلك الأقوال.
27 -التفرغ لعمل علمي، أو بناء بيت أو غير ذلك لبضع سنوات، فيخمدُ حماسُه، ويضعف تجاوبُه مع الدعوة، وينسى كثيرًا من الأساليب والأفكار، ويستجد أعمالٌ وأحوالٌ، فتعظم عليه الأمور ويفضل أن يعيش في الظل بعيدًا عن الأضواء، ويألف الوحدة والانزواء.
روى الترمذي وأبو داود عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيِّ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا: { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاحِهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ.
28 -ترك العمل بسبب ظروف طارئة، وأحوال عصيبة، ينتظر تجليتها، ويرقب الفرج، ويأمل كشف الغربة، وينسى أن تجلية الغربة لا تتأتى بالكسل والخمول والنوم، ولم يتفكر كيف كُشفت الغربة الأولى هل جلس أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ينتظرون كشفها أم قاموا على قدم وساق حتى كشفوها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كثير من الناس إذا رأى المنكر، أو تغير كثير من أحوال الإسلام، جزع وكلّ وناح كما ينوح أهل المصائب وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه فليصبر، إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار...
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ثم يعود غريبًا كما بدأ: أعظم ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه، وقد قال تعالى: { مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك.
وكذلك بدأ غريبًا ولم يزل يقوى حتى انتشر، فهكذا يتغرب في كثير من الأمكنة والأزمنة ثم يظهر حتى يقيمَه الله عز وجل كما كان عمر بن عبد العزيز لما وَلِيَ قد تغرب كثير من الإسلام على كثير من الناس حتى كان منهم من لا يعرف تحريم الخمر، فأظهر الله به في الإسلام ما كان غريبًا.
وما علم هذا الأخ بأنه في وقوفه ينزل ويضعف إيمانه. يقول ابن القيم رحمه الله: والقصد: أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة، إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف موضعه بل ينزل إلى درجات من النقص، فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد، فالعبد سائر لا واقف: فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، إما إلى أمام وإما إلى وراء.
وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء،كما قال تعالى: (( إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) )ولم يذكر واقفا إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.
29 -خشيَ على وظيفتِه أو جاهِه ومركزِه، ففضلَ البعدَ عن العمل، وسوَّل له الشيطان أن الفترة قصيرةٌ، وأن هذا من التخطيط السليم، فتحول تفكيرُه وعمله إلى المحافظة على مركزه ومكانته، روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَلا لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ.
30 -تمكن الشيطان من إلقاء الشبهات في قلبه وبخاصة في وقت الفتن، فيبدأ في مراجعة حساباته لا لتقويمها وسد الثغرات، ويقظة الحراسة، وإنما لتبدل القناعات لديه من غير دليل صحيح صريح.
وهذا هو الذي خشيه خبير الفتن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حينما قال له أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: أوصني، قال: إن الضلالةَ حقَّ الضلالةِ أن تعرفَ ما كنت تنكر وتنكرَ ما كنت تعرف، وإياك والتلونَ في الدين فإن دينَ الله واحد.
عن محمد بن سيرين قال: قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: إنكم لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون وتنكروا ما كنتم تعرفون، وما دام عالمكم يتكلم بينكم غيرَ خائف.
وعن إبراهيم النخعي كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب في الله.
وقال مالك: الداء العضال التنقل في الدين.
31 -كابد وجاهد نفسه فتعب ومل وترك العمل: ولا ندري كم من العقود جاهد وكابد فيها هذا الأخ الكريم!
ألم يقرأ سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ }
قال ابن القيم: وطالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة، بحيث يكون رأسًا في ذلك مقتدى به فيه، يحتاج أن يكون شجاعًا مقدامًا، حاكمًا على وهمه، غيرَ مقهورٍ تحت سلطانِ تخيله، زاهدًا في كل ما سوى مطلوبه، عاشقًا لما توجه إليه، عارفًا بطريق الوصول إليه، والطرقِ القواطعِ عنه، مقدامَ الهمة، ثابتَ الجأش، لا يثنيه عن مطلوبه لومُ لائم ولا عذل عاذل، كثيرَ السكون، دائمَ الفكر، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائمًا بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تستفزه المعارضاتُ، شعاره الصبرُ وراحته التعب.
قال ابن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت.
وهذا الإمام القدوة شيخ الإسلام ثابت البناني يقول: كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة.
روى منصور بن إبراهيم قال: قال فلان: ما أرى الربيع بن خثيم تكلم بكلام منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد، وعن بعضهم قال: صحبت الربيع عشرين عامًا ما سمعت منه كلمة تعاب.
قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس.
قال الإمام القدوة ربيعة بن يزيد: ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد إلا أن أكون مريضًا أو مسافرًا.
كان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له: ( الصفي ) لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة.
وقيل لكثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط، وقد أم أهل حمص ستين سنة كاملة فقال: ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله.
قال إبراهيم الحربي عن الإمام أحمد: ولقد صحبته عشرين سنة صيفًا وشتاءً وحرًا وبردًا وليلًا ونهارًا فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس.
وقال أبو الوفاء بن عقيل: إني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة .
قال ابن القيم: يا مخنث العزم أين أنت والطريق، طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، واضطجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسفُ بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيدُ الحصورُ يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، تزهى أنت باللهو واللعب.
32 -قد يقول: الحمد لله أنا من الأخيار، وليس عندي معاص، وليس كل الناس دعاة!! ولا أدري مم أعجب هل من تزكية هذا الأخِ الكريمِ لنفسه، أم من جهله بأن التقصير في الدعوة ليس من المعاصي!
قال ابن القيم: ليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله، وأكثرُ الديّانينَ لا يعبأون منها إلا بما شاركهم فيه عمومُ الناس، وأما الجهادُ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه، فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلًا عن أن يريدوا فعلها، وفضلًا عن أن يفعلوها، وأقل الناس دينًا، وأمقتهم إلى الله: من ترك هذه الواجباتِ، وإن زهد في الدنيا جميعِها، وقلَّ أن ترى منهم من يُحمرُ وجهُه ويمعره لله ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحابُ الكبائر أحسن حالا عند الله من هؤلاء.
قال تعالى: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإنما يتم الاهتداء إذا أطيع الله وأدي الواجب من الأمر والنهي وغيرهما، ولكن في الآية فوائد عظيمة:
أحدها: أن لا يخافَ المؤمنُ من الكفار والمنافقين، فإنهم لن يضروه إذا كان مهتديًا.
الثاني: أن لا يحزنَ عليهم ولا يجزعَ عليهم، فإن معاصيَهم لا تضره إذا اهتدى، والحزنُ على ما لا يضر عبث، وهذان المعنيان مذكوران في قوله: { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } .
الثالث: أن لا يركن إليهم، ولا يمد عينه إلى ما أوتوه من السلطان والمال والشهوات، كقوله: { لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } ، فنهاه عن الحزن عليهم والرغبة فيما عندهم في آية، ونهاه عن الحزن عليهم والرهبة منهم في آية، فإن الإنسان قد يتألمُ عليهم ومنهم، إما راغبًا وإما راهبًا.