فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 226

والفناء الذي ذرعته في طفولتك ذهابًا وإيابًا..!

مكتبتُك..

دفاترُك..!

أكاد ألمح طيفك البسّامَ عند عتبة الباب، وأنت تنتظرني لنصطحب سويًا إلى حلقة تحفيظ القرآن الكريم..

حلقة تحفيظ القرآن.. أتذكرها.. ؟!!

إنها ما زالت تذكر أيامَك ونشاطك..

ومازالت تلك السارية التي تهواها تتوق إلى اتكاءة ظهرك النحيل..

ومصحفك الأخضر لم يبرح سيارتي من يوم رحيلك.. أناجي حروف اسمك المنقوشة على طرَّته..

وبواكير الصباح تُذكرني قدومك ماشيًا إلى المسجد، لنجلس معًا نتذاكر كتاب الله..!

البارحة.. في بيت العزاء..

تذكرتُ - والذكرى مؤرقةٌ - يومَ رحيلك..!

حينما هاتفتني تطلب مني اللقاء.. فأتيتُك وقلبي يُحدثني أنك فاعلٌ ما عزمتَ عليه لا محالة.. وأنك مُحققٌ مناك الذي كبرت وكبر معك: أن ترحل إلى أرض الجهاد في الشيشان..

يومها..

حاولتُ اصطناع التجلد والاصطبار..

وحبستُ الدمع في المآقي؛ لئلا أخذلك وأنت قد شددت الرحال..

ففضحتني حمرةُ العين، ورعشةُ الشفاه، ووجيبُ القلب..!

لم أشأ أن أطفئ جذوة حماسك بتخذيلك أو ردك عن مقصدك.. ولا رأيتُ أن أسدي لك الكلمات التي يحسبها المربون ستصد المتعلق بالجهاد.. وهي - على الحقيقة - تزيد الجذوة ضرامًا..!

فقد تناقشنا قبلُ حول أمر ذهابك للجهاد كثيرًا..

وعلمتُ أن مثلَك سيرحل ولو حبوًا..

فما كان يليقُ بي - وأنا الذي أزعم أني أسهمتُ في تربيتك يومًا - أن أقف أمامك، أو أوهن عزمك..

وإنما حاولتُ إعطاءك ما أحسب أنه سيفيدك ويُفيد الإخوة هُناك، وشددتُ من أزرك، وحمَّلتُك أمانة إيصال زكاة علمك وتربيتك لأهل الثغور..

دينًا أدين الله به.. ورأيًا أراه هو الصواب..

وهل تحجب السيلَ الهادرَ سدودٌ من ورق..؟!

أبا معاذ..

أتراك تردد في غيابك هذا البيت:

"لأعرفنّك بعد الموت تندبني وفي حياتيَ ما زودتني زادي.."

أتُراك تتمثل هذا البيت، وأنت راحلٌ إلى مُرادك.. وقد بلغك ما تنضح به ساحات الصحوة من اضطرابٍ وانقلاب موازين..؟!

لا يهمني - صدقني - ما سمعتَ من"بعض"قادة صحوتنا وهم يُميعون قضية الجهاد والإعداد، ويصمون من تتوق نفسه إليه بالتهور والتعجل والافتيات على الأمة..!

لأنك قد تكون سمعتَ من"بعض"قادة الجهاد من يسوم أهل التربية والدعوة سوءَ الظن، ويرميهم بالقعود والتخذيل والركون إلى الدنيا..!

وقد نزغ الشيطان بين الفريقين، ولبَّس عليهم الأمور، فخُيل إليهم أن الورمَ هو المرض، وما علموا أنه مجرد"ظاهرة"للمرض الساري في الجسد منذ أمد، فجاءت الأحداث الأخيرة لتكون الشوكة التي نكأت الورم، فانبجس منه قيحُ الفتنة وصديدُ الفُرقة..!

لا يهمني أبا معاذ شيئًا من ذلك، لأني ألمح خلف ركام الشتات والاختلاف بصيصًا من أملٍ واعد، واجتماعٍ مُحبب..

ولأن العواصف ستهدأ حتمًا، والزوابعَ ستسكن يومًا.. وسيذهب الزبد جفاءً، ويبقى ما ينفع الناس..

لذا؛ لا يهمني ذلك كله، كما يُهمني ألا تتمثل هذا البيت وأنت تتصور حالي معك..!

إن مجرد تخيل رحيلك وأنت تحمل في قلبك عتابًا علي، يُحيل نبضات قلبي إلى سهامٍ ترمي الفؤاد، لا ترحمُ ولا تني..!

فعُذرًا - لو أجدى العذرُ - عُذرًا.. إن كنتُ قد قصرتُ في حقك وأنت بين يدي..

وعُذرًا - أيها الراحل - عن مخاصمتي إياك في أمرٍ لا يستحق الخصامَ ولا اللدد، لو تمعَّنتُ فيه لبكيتُ ألمًا، وشر البلية ما يُبكي..!

وعُذرًا- أيها الحبيبُ - .. إن كنتُ قد هجرتُك إثر موقفٍ تافهٍ، لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما التفتُ إليه..!

لو..؟!

لو..؟!

وهل تفتح ( لو ) إلا عمل الشيطان..؟!

يا صاحبي الذي مضى..

هذه آفةٌ ( أخوية ) مستشرية:

نتجادل ونتخاصم ونتهاجرُ في أمورٍ هي من سفاسف الأمور..

حتى إذا ما رحل أخي، أو غاب، أو مات.. عُدتُ إلى نفسي؛ أبكي على ما سلفَ منّي وبدر..!

وأشعر نحو أخٍ لي بمشاعر الحب الصادق في الله، فتظل تلك المشاعرُ حبيسةَ الأضلاع، أحسبها"ميوعةٌ"لا تليق بالرجال..!

حتى إذا ما رُزئتُ بفقد أخي.. ظللتُ أردد: ليت أني أراه لحظةً واحدة، لأبوح له بحبي وودي وإخائي..!

فكيف بي والأخ الذي ضننت عليه بأخوتي هو أنت..؟!

وكيف بالأعذار وهي ترتد إلي كليلة حسيرة، وتقول لي: ليت أنك بكرّت قليلا، فقد رحل من تعتذر إليه..!

" ( ليتَ ) .. وهل تنفع شيئًا ليتُ ..؟!"

سقى الله سفوح ( فيدنو ) التي طالما حرثت أرضها جهادًا وبطولةً وفداءً..

ورحمك الله أبا معاذ.. وتقبلك في الشهداء.. وأكثر من أمثالك الناثرين بذور الأمل في حقول اليأس

وألحقنا بك وبالشهداء مقبلين غير مُدبرين..

اللهم - يا رحمن يا رحيم - اجبر مصاب والديك وأحبابك.

واربط على قلبي الموعوك..!

ياااارب..

وكتبه الباتك

شبكة الفوائد الإسلامية

ــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت