فالداعية الحريص على إيصال الحق إلى الخلق مطالب باستخدام هذه الوسيلة فنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى عكاظ وذي المجاز وغيرهما وغشى أندية قريش واجتماعاتهم ولكن لا بد للذاهب أن يكنون متسلحًا بالعلم وقوة الإيمان والأسلوب الأمثل للمدعوين زمانًا ومكانًا وتأهيلًا.
-إجابة الدعوة:
إذا رأى الداعية من نفسه أن عنده قدرة أن يفيد ويتحدث فالأولى بحقه الإجابة ، وإجابة الدعوة من حق المسلم على أخيه وبخاصة مع خلوها من المنكرات التي لا يمكنه تغييرها فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"خمس تجبُ للمسلم على أخيه: رد السلام ، وتشميت العاطس ، وإجابة الدعوة ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز" (24) ولكن على الداعية عدم الاستئثار بالحديث وقطع الناس بعدم التحدث مع بعضهم البعض فإن الأصل في إقامة المناسبات الاجتماعية التلاقي بعد طول فراق والمؤاسنة بين الأقارب والأصحاب ، والاستئثار من الداعية يوجد عند بعض المدعوين عدم رغبة بتحدثه للسبب المذكور.
حتى يكون للداعية ذلك الأثر الفاعل بالمدعوين ، فلا بد أن يكون الاتصال بينهم وبينه ميسورًا ، إذ انعزال الداعية وأخذه بالمثالية التامة من المحافظة على الوقت بالتحصيل العلمي الشخصي ، يجعل المدعوين يستعيضون عنه بغيره ، فعلى هذا ما فائدة العلم الذي حصّله إن لم يوصله إلى غيره.
كما أن المدعو يعرض له مشكلات يحتاج معها إلى قادر يساعده على تجاوزها ، وهل أولى من الدعاة القيام بهذه المهمة ، فهم أطباء القلوب ، ولكن يبقى دور الداعية في تربية المدعوين على احترام المواعيد والاعتناء بها، مع عذره لجاهل ، أو غريب جاء لساعات يلقى فيها الداعية ثم يعود إلى بلده.
السعي في مصالحهم والإصلاح بينهم:
السعي في مصالح المدعوين خلق نبيل ودلالة أكيدة على البعد عن الأثرة وحب الذات مع ما فيه أيضًا من حب الخير للآخرين.
واتجاه الناس إلى الداعية تلمسًا منهم بقضاء حوائجهم وسيلة يمتلك بها الداعية قلوبهم إذ الإحسان يؤثر في الإنسان ، فيزيد القلوب له محبة، وقد يقلبها من البغض إلى المحبة وهذا أمر من وفق إياه فقد أوتي خيرًا كثيرًا فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مُسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه...) الحديث (25) ."
والمدعو لو لم يجد عند الداعية إلاّ طلاقة الوجه لتأثر بذلك أثرًا إيجابيًا مع أنه يسير على من يسره الله عليه.
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم تسعد الحالُ (26)
فكيف إذا رأى منه تفاعلًا وحرصًا على القيام بخدمته ، فلا بد من بذل النفس ، وإشعار الآخر أن الداعية يحمل همه ، عنده مشكلة في البيت يتفاعل معه ، مشكلة في الدراسة وغير ذلك فلا يقنطه ولا يجعله مطلق التفاؤل في حل الأمور.
كما هي الحال في السعي في مصالحهم يحسن بالداعية أن يسعى في الإصلاح بين إخوانه المسلمين وهو من الخير الذي قال الله عنه: ( لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفِ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَّفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضاَتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (27) .
فبعض الأسر تعاني من مشكلات وتنافر بين بعض أفرادها، وكذا بعض الأقران وأصحاب المهن والاهتمامات المتقاربة ، هؤلاء قد يوجد بين بعضهم ما يتطلب من الداعية أن ينزل إليهم ويصلح بينهم وبخاصة إذا طُلب منه ذلك فالحذر من التهرب مع القدرة فعن عبد الله بن سعيد قال قلت: لعائشة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلى وهو قاعد ؟ قالت: نعم بعدما حطمه الناس) (28) قال النووي رحمه الله"قال الراوي في تفسيره يقال حطم فلانًا أهلهُ إذا كبر فيهم كأنه لما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم سيروه شيخًا محطومًا والحطم الشيء اليابس"وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة الأوحد ، وصاحب الكمال المطلق من الخلق عليه الصلاة والسلام وللجميع فيه أسوة.
الراحلة:
الداعية إلى الله وهو راكب راحتله مع إخوانه أفرادًا أو مجموعات- سواء كانت الراحلة دابة أو من المخترعات العصرية - عليه أن يستثمر هذه الوسيلة في الدعوة إلى الله سبحانه حيث استغلال اللحظة بما يفيد وقد كان هذا من سيرة رسول الله مع أصحابه فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:"بينا أنا رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس بيني وبينه إلا أخِرَة الرحل فقال (يا معاذ قلت لبيك رسول الله وسعديك..) الحديث (29) ."
فهذا المنهج من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع الطريق على المتعذرين بضيق الوقت وقصره وأنه لا يتمكن من تقديم شيء للمدعو...
وختامًا كم هي الوسائل الممكنة التطبيق اليسيرة التكاليف البدنية والمالية ومن ذلك دعوة أصحاب المحلات التجارية بصفة عامة بوضع لوحات إرشادية دعوية داخل محلاتهم فإن كانت بضاعتهم تتعلق بلوازم النساء كان الإرشاد بما يناسبهن وإن كان غير ذلك وضع في كل محل ما يناسب مرتاديه ، وكذا تدوير المجالات الإسلامي مثل مجلة الدعوة السعودية لو أخذها قارئها بعد ما ينتهي من قراءتها ولم يكن من الذين يحتفظون بالأعداد ووضعها في المحلات العامة كمحلات الحلاقة وغيرها، فربما كلمة فيها يفتح الله بها على قارئها ولو لم يقصدها . فالقلوب لها مفاتيح ولها إقبال وإدبار.
وهنا يقف القلم عن المداد ولا يعني أن الوسائل قد استهلكت وأحيط بها علمًا ولكن هذا ما أمكن عرضه فما كان فيه من صواب فمن الله وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله.
(1) - الوسيلة: قال الجوهري: الوسيلة ما يتقرب به إلى الغير ، والجمع الوُسُل والوسائل .."الصحاح مادة (وسل) 5/1841، قال ابن كثير:"الوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصي المقصود"تفسير القرآن العظيم 2/55."
(2) - الفتاوى 15/162.
(3) - سورة الشورى آية 21.
(4) -سورة يونس آية 59.
(5) - مجموع الفتاوى 11/632.
(6) - قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية للدكتور مصطفى بن كرامة الله مخدوم . ص 343
(7) - ينظر ، التنصير مفهومه وأهدافه وسبل مواجهته لمعالي الأستاذ الدكتور علي بن إبراهيم النملة.
(8) - حديث رواه البخاري في الفتح ، كتاب الأنبياء باب 54 /ج 6 / 14/ حديث رقم 3477 ومسلم بلفظ رب .. الحديث كتاب الجهاد والسير ، باب غزوة أحد ، جـ 3/1417 حديث رقم 1702.
9)-القسمان الأول والثاني آثرت عدم الاستطراد فيهما لوجود محاضرات ضمن دورة إعداد الدعاة تناولتهما بالتفصيل فلتراجع؟
(10) - سورة الأعراف آية 175.
(11) -رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان.جـ 1/69حديث رقم 49.
(12) - ينظر شرح النووي لصحيح مسلم ص/25.
(13) - أي الرمي بالمدفع
(14) - الفتاوى السعدية ص 241،240.
(15) - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون 1/36ن 35.
(16) - يقرأ الإنسان أحيانًا تقريضا لبعض الكتب فيجد أن التقريض أنصب على المؤلفِ تعريفًا وثناءًا مطلقًا وغير مقيد بما يقرض له ، وهذه تعني تزكيةمطلقاة للمؤلفِ علمًا أن الكتاب قد يكتب في يوم من الأيام كتابة لا تصلح ولا تناسب من أعطاه تزكية مطلقة بمؤلف سابق وبخاصة إذا كان من أهل العلم المعروفين ، فالأصل بالتعامل مع المكتوب التعامل مع المقولة دون القائل ، حتى القائل الذي عنده انحراف إذا لم تناقش مقولته المنحرفة وركز عليه هو دونها فربما في يوم من الأيام يعود إلى رشده ويتوب إلى ربه وما ذلك على الله بعزيز ويتوب الله على من تاب لكن يبقى الأهم وهي المقولة التي ستبقى في المكتبات العامة والخاصة فلهذا لا بد من البعد عن الذم المطلق للأشخاص وكذا التزكية المطلقة للأشخاص إلا بالضوابط الشرعية خاتمًا إياها بقوله هكذا أحسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا ...
(17) -الإنترنت في خدمة الإسلام لعبد المنعم حسن النهدي ص 10.
(18) - الآداب الشرعية والمنح المرعية 1/ 244
(19) سورة مريم آية 31.
(20) - رسالة إلى كل مسلم ص 5 ، 6.
(21) - البيان والتبيين 2/7.
(22) - رواه مسلم ، كتاب الجمعة ، باب فضل من استمع وأنصت في الخطبة 2/ 588 حديث رقم 157/27.
(23) - رواه الترمذي واللفظ له ، كتاب العلم ، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع 5/ 43 حديث رقم 7676 وقال حديث حسن صحيح ، وأبو داود كتاب السنة باب في لزوم السنة 5/ 13 رقم 4607.
(24) -رواه مسلم كتاب السلام ، باب من حق المسلم للمسلم رد السلام،4/ 1704حديث رقم 2172.
(25) - رواه مسلم كتاب الذكر والدعاء ، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر 4/2074 حديث رقم 2699.
(26) - شرح ديون أبو الطيب المتنبي للعكبري 3/276 قصيدة 215.
(27) - سورة النساء آية 114.
(28) -رواه مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا1/506رقم 732.
(29) - رواه البخاري ، كتاب اللباس ، باب إرداف الرجل خلف الرجل 10/ 397 حديث رقم 5367.
ــــــــــــــــــ