فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 226

فقال: نعم .. وجدته في غمرات من النار .. فأخرجته إلى ضحضاح من نار .. تحت قدميه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه ..

بل كان الكفار يتواصون بالثبات على الباطل .. قال تعالى عن كفار قريش:

( وانطلق الملأ منهم أن امشوا - أي استمروا على دينكم - واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ) ..

وفي الآية الأخرى يقول جل وعلا ..

( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلًا ) ..

نعم كان الكفار يبذلون في عهد النبي عليه السلام .. للصد عن الإسلام ..

ولكن بذل المؤمنين كان أكثر .. وجهدَهم كان أكبر ..

يستميت أحدهم للإصلاح ويناضل .. حتى ظهر الحق وزهق الباطل ..

واليوم .. خذ جولة سريعة .. وقارن بين الفريقين ..

انظر - إن شئت - إلى عمل اليهود وتكاتفهم .. لإقامة دولة إسرائيل ..

وانظر إلى تفاني الهندوس والبوذيين في خدمة دينهم .. حتى استغرق ذلك أوقاتهم واستنفذ جهودهم .. فأشغلهم عن اللذات والشهوات ..

وانظر إلى نشاط المنصرين .. وحرصهم على دعوتهم .. وبذلهم أموالهم .. وأوقاتهم .. وجهودهم ..

وهم على باطل ..

يقول أحد الدعاة ..

كانت تقدم إليَّ الدعوات دائمًا لزيارة اللاجئين المسلمين في أفريقيا .. فتوجهت إلى هناك بعد تردد طويل .. وقررت أن أمكث أسبوعين .. وفوجئت بخطورة الطريق .. والحر الشديد .. وكثرة الحشرات .. والبعوض الحامل للأمراض ..

فلما وصلت فرح بي هؤلاء الضعفاء .. وأسكنوني في أحسن الخيام .. وأحضروا لي أنظف الفرش .. فبقيت تلك الليلة معجبًا بنفسي .. وتضحيتي .. ثم نمت في عناء شديد .. وأنا أحمل هم هذين الأسبوعين ..

وفي الصباح جاءني أحدهم وطلب مني أن أتجول في المخيم .. فطلبت منه تأجيل ذلك حتى تخف حرارة الشمس .. فأصرَّ عليَّ فخرجت معه .. وذهبنا إلى البئر الوحيد الذي يزدحم عليه الناس .. ولفت نظري من بين هؤلاء الأفارقة .. شابة شعرها أصفر .. لم يتجاوز عمرها الثلاثين .. فسألته بعجب: من هذه ؟

فقال: هذه منصرة نرويجية .. تقيم هنا منذ ستة أشهر .. تأكل من طعامنا .. وتشرب من شرابنا .. وتعلمت لغتنا .. وقد تنصر على يدها المئات ..

نعم .. { إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } ..

ويقول آخر ..

كنت في ألمانيا .. فطُرق علي الباب .. وإذا صوت امرأة شابة ينادي من ورائه ..

فقلت لها: ما تريدين ..؟

قالت: افتح الباب .. قلت: أنا رجل مسلم .. وليس عندي أحد .. ولا يجوز أن تدخلي عليَّ ..

فأصرت عليَّ .. فأبيت أن أفتح الباب ..

فقالت: أنا من جماعة شهود يهوه الدينية .. افتح الباب .. وخذ هذه الكتب والنشرات .. قلت: لا أريد شيئًا ..

فأخذت تترجى .. فوليت الباب ظهري .. ومضيت إلى غرفتي ..

فما كان منها إلا أن وضعت فمها على ثقب في الباب ..

ثم أخذت تتكلم عن دينها .. وتشرح مبادئ عقيدتها لمدة عشر دقائق ..

فلما انتهت .. توجهت إلى الباب وسألتها: لم تتعبين نفسك هكذا ..

فقالت: أنا أشعر الآن بالراحة .. لأني بذلت ما أستطيع في سبيل خدمة ديني ..

{ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } ..

وجهود أعداء الدين .. من الكفرة والمنصرين .. أشهر من أن تذكر ..

وتأمل فيما يبذلونه لتنصير المسلمين .. من خلال قنوات فضائية .. وأشرطة سمعية ..

وكتب مقروءة .. ونشرات موبوءة ..

تأمل ذلك كله ثم قارنه بما يبذله المسلمون ..

أو قارنه إن شئت بهذين الموقفين ..

يقف أحد الشباب عند محطة وقود .. ويطلب من العامل أن يعبأ له ببضع ريالات ..

وخلال ذلك يسأل العامل: مسلم أنت ..

فيقول العامل: لا .. لست مسلمًا ..

فيسأله صاحبنا: لماذا لا تسلم .. فيقول العامل: لا أعرف ما الإسلام ..

فيقول صاحبنا: أنا أحضر لك كتبًا عن الإسلام ..

عندها صاح به العامل وقال: أنت كذاب ..

قال: كذاب !! لماذا ..

فقال العامل: أنا أعمل في هذا المحطة منذ خمس سنوات .. وكل واحد يمر بي يقول:

سأحضر لك كتبًا عن الإسلام .. وإلى الآن لم يحضر إليَّ أحد شيئًا ..

وحدثني أحد العاملين في مركز لدعوة غير المسلمين في أحد المطارات ..

أنه كان يوزع مظاريف تحتوي على بعض الكتب الدينية على الخادمات المغادرات إلى إندونيسيا ..

قال: فمرت بي امرأة مع خادمتها .. تودعها إلى بلدها .. فناديتها .. قلت: يا أختي .. تفضلي هذه هدية للخادمة ..وأعطيتها مظروفًا مغلقًا ..

فقالت: ما هذا ؟ قلت: هو للخادمة ..

ففتحت المرأة المظروف .. فلما رأت الكتب قالت بغير مبالاة .. كتب إسلامية .. لا نريد كتبًا إسلامية .. ثم رمت الكتب على الطاولة .. ومضت بخادمتها ..

سبحان الله .. بعض المسلمين .. لا دفع ولا نفع .. كما قال:

وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا * * حياتك لا نفع وموتك فاجع

تأمل في غفلة كثير منا عن دعوة من هم بين أظهرنا ..

يسكن الكافر بين أظهرنا سنين .. ثم يرجع وهو على حاله: يعبد بوذا .. ويقدس البقرة .. ويقول الله ثالث ثلاثة ..

بل دعك من الكافرين ..

كم نرى من المسلمين المقصرين في صلاة الجماعة .. والمتساهلين بالغناء وسماعه ..

وكم نرى من العاقين .. والمرابين .. والمتلاعبين بأعراض المسلمين ..

بل كم نرى من السُّكارى .. والشباب والفتيات الحيارى ..

فماذا بذلنا لهم ..

وبصراحة ..

بعض الناس إذا تكلمنا عن الدعوة إلى الله .. ظن أن الدعوة مقصورة .. على من أعفى لحيته وقصّر ثوبه ..

ثم جعل حلقه للحيته .. وإسباله لثوبه .. أو تدخينه .. أو سماعه للغناء ..

حائلًا بينه وبين خدمة الدين .. أو نصح المقصرين ..

بل قد يقعد الشيطان العاصي عن الدعوة .. ويقول له ..

أنت تنصح الناس !!! ألا تذكر خطاياك ؟ أمثلك يعمل للدين ؟

فيفوت الشيطان بذلك على الإسلام .. جنديًا من جنود الرحمن ..

نعم .. لا أنكر أن الأصل في الداعية أن يكون مستقيمًا على الطاعات ..

ولكن وجود السيئات .. لا يمنع من فعل حسنات ..

ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب *** فمن يعظ العاصين بعد محمد

بل قد يجالس الداعية بعض الناس .. ولا يعلم أنهم يأكلون الربا والحرام .. أو يقعون في الفواحش والآثام ..

أو يتركون الصلوات .. ويعاقرون المسكرات ..

فلا يلام الداعية إذا سكت عنهم .. لأنهم يتظاهرون أمامه بالخير ..

ولكن هم يلامون .. فيجب على بعضهم أن ينصح بعضًا ..

وأنت وإن كنت عاصيًا .. فلم تنقلب يهوديًا ولا نصرانيًا ..

فالعاصي المؤمن معدود من المؤمنين .. وقد قال الله ..

{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ..

وكم من الناس اليوم ممن وقعوا في شهوات .. أو وقعت بينهم وبين بعض الصالحين خصومات ..

تسلط عليهم الشيطان .. فشعروا أنهم أعداء للدين وأهله ..

مع أن العبد قد يقع في المعصية .. لكنه يبقى من حزب الرحمن ..

وانظر إلى ذلك الرجل .. الذي أغواه الشيطان فشرب خمرًا .. فعوقب .. ثم شرب فعوقب .. ثم شرب ..

فأتي به إلى النبي عليه السلام .. فلما عوقب .. قال بعض الصحابة:

لعنه الله .. ما أكثر ما يؤتى به !!

وقال: ( لا تلعنوه .. فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله ) ..

فهو وإن شرب خمرًا لم ينقلب عدوًا للدين ..

وتلك المرأة الزانية التائبة ..

أقاموا عليها الحد .. فلما ماتت سبها بعض الأصحاب ..

فقال عليه السلام: ( لقد تابت لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ) ..

ولما زنى ماعز رضي الله عنه فرجم .. قال النبي عليه السلام: ( لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لوسعتهم .. والله إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها ) ..

وأنا بكلامي هذا لا أسوّغ الوقوع في المعاصي .. أو أعتذر لأصحابها .. ولكن .. ذكّر إن نفعت الذكرى ..

ولا ينبغي أن تحول المعصية بين صاحبها وبين خدمة هذا الدين ..

أبو محجن الثقفي رجل من المسلمين كان قد ابتلي في الجاهلية بشرب الخمر ..

وقد تعلقت بها نفسه .. وهام بها قلبه .. حتى كان يوصي ولده ويقول:

إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة *** تروي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني في الفلاة فإنني *** أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها

وتروى بخمر الحص لحدي فإنني أسيرٌ لها من بعد ما قد أسوقها

فلما أسلم .. بقيت نفسه تغلبه عليها .. فيعاقب عليها ويعود .. ثم يعاقب ويعود ..

فلما تداعى المسلمون للخروج لقتال الفرس في معركة القادسية .. خرج معهم أبو محجن .. وحمل زاده ومتاعه ..

فلما وصلوا القادسية .. طلب رستم مقابلة سعد بن أبي وقاص قائد المسلمين ..

وبدأت المراسلات بين الجيشين .. عندها وسوس الشيطان لأبي محجن رضي الله عنه فاختبأ في مكان بعيد وشرب خمرًا ..

فلما علم به سعد رضي الله عنه غضب عليه .. وقيد يديه ورجليه .. وحبسه في خيمة ..

وبدء القتال .. وتنازل الأبطال .. وقعقعت السيوف .. وتتابعت الحُتوف ..

ورميت الرماح .. وارتفع الصياح ..

وغبرت خيل الرحمن .. وعلت أصوات الفرسان .. وفتحت أبواب الجنان ..

وطارت أرواح الشهداء .. واشتاق الأولياء ..

وأبو محجن يئن بقيد ** فلمَ القيدُ أيّهذا الأسير؟؟

أيها الفارس العنيد ترجّل** فخيولي حبيسة لا تغير!!

يا أبا محجن كفاك قعودًا ** أنت بالحرب والسلاح خبير

فاعصب الرأس عزة تتلظى ** هُتك العرضُ والجناح كسير

أَزِفت ساعة القصاص وإلا ** فاجرع الموتَ ثم بئس المصير

أخذ أبو محجن .. يتململ في قيوده .. وتتحرك أشواقه إلى الشهادة .. فيثب ليبذل الروح .. فإذا القيد في رجله:

فأخذ يتحسّر على حاله ويقول:

كفى حزنًا أن تدحم الخيل بالقنى *** وأترك مشدودًا علي وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد وغلقت *** مصاريع من دوني تصم المناديا

وقد كنت ذا مال كثيرو إخوة *** وقد تركوني مفردًا لا أخاليا

فلله عهد لا أحيف بعهده *** لإن فُرّجت ألا أزور الحوانيا

ثم أخذ ينادي ويصيح بأعلى صوته ..

فأجابته امرأة سعد: ما تريد ؟

فقال: فكي القيد من رجلي وأعطيني البلقاء فرس سعد .. فأقاتل فإن رزقني الله الشهادة فهو ما أريد .. وإن بقيت فلك عليّ عهد الله وميثاقه أن أرجع حتى تضعي القيد في قدمي ..

وأخذ يرجوها ويناشدها .. حتى فكت قيده وأعطته البلقاء .. فلبس درعه .. وغطى وجهه بالمغفر .. ثم قفز كالأسد على ظهر الفرس .. وألقى نفسه بين الكفار يدافع عن هذا الدين ويحامي ..

علق نفسه بالآخرة ولم يفلح إبليس في تثبيطه عن خدمة هذا الدين ..

حمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه .. وكان يقصف الناس قصفًا ..

وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ..

فقال بعضهم: لعله مدد من عمر ..

وقال بعضهم: لعله ملك من الملائكة ..

ومضى أبو محجن يضرب ويقاتل .. ويبذل روحه ويناضل ..

فأقدم فإما مُنْية أو مَنيَّة *** تريحك من عيش به لست راضيا

فما ثَمَّ إلا الوصلُ أو كلفٌ بهم *** وحسبك فوزًا ذاك إن كنت واعيا

مضى أبو محجن ..

أما سعد بن أبي وقاص فقد كانت به قروح في فخذيه فلم ينزل ساحة القتال .. لكنه كان يرقب القتال من بعيد ..

فلما رأى أبا محجن عجب من قوة قتاله .. وأخذ يتبعه بصره ويقول:

الضرب ضرب أبي محجن .. والكر .. كر البلقاء .. وأبو محجن في القيد .. والبلقاء في الحبس ..

فلما انتهى القتال عاد أبو محجن إلى سجنه .. ووضع رجله في القيد ..

ونزل سعد فوجد فرسه يعرق .. فعلم أنها شهدت القتال ..

فدخل على أبي محجن .. فإذا جراحه تسل دمًا .. وعيناه تفيض دمعًا ..

وهو يقول .. يا سعد .. والله لا شربت الخمر أبدًا ..

فلله درّ أبي محجن .. نعم وقع في معصية .. ولكنه يفعل طاعات تغوص معصيته في بحرها ..

ومن ذا الذي ترجى سجاياه كلها * كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

أيها الأخوة والأخوات ..

نحن اليوم في زمن تكاثرت فيه الفتن .. وتنوعت المحن ..

وقل الأصدقاء .. وتلون الأعداء ..

فمنهم عدو كاشح في عدائه * * ومنهم عدو في ثياب الأصادق

ومنهم قريب أعظم الخطب قربه * * له فيكم فعل العدو المفارق

فأكثر المسلمين اليوم حائرون في الملذات .. غرقى في الشهوات ..

يبحثون عن حياض النجاة .. عن خشبة يتعلقون بها .. أو سفينة يأوون إليها ..

فمن كان عنده فضل مال فليجد به على من لا مال له ..

ومن كان عنده فضل طعام فليجد به على من لا طعام له ..

ومن كان عنده فضل علم فليجد به على من لا علم له ..

ومن كان عنده خوف ووجل .. من العظيم الأجلّ .. فليجد به على الغافلين .. المعرضين اللاهين ..

وأنت لا تدري .. ما هو الباب الذي تدخل منه إلى الجنة .. فابذل ولا يخذلك الشيطان ..

وما أجمل أن ينتصر العبد على الشيطان ..

خرجت من المسجد يومًا فجاءني شاب عليه آثار المعصية وقد اسودّت شفتاه من كثرة التدخين .. فعجبت لما رأيته .. ماذا يريد .. فلما سلم عليَّ قال: يا شيخ أنتم تجمعون أموالًا لبناء مسجد أليس كذلك ؟

قلت: بلى .. فناولني ظرفًا مغلقًا .. وقال: هذا مال جمعتُه من أمي وأخواتي وبعض المعارف .. ثم ذهب ..

ففتحت الظرف فإذا فيه خمسة آلاف ريال .. وأنفقت تلك الخمسة آلاف في بناء ذلك المسجد ..

واليوم لا يذكر الله في ذلك المسجد ذاكر .. ولا يقرأ القرآن قارئ .. ولا يصلي مصلٍّ ..

إلا كان في ميزان ذلك الشاب مثل أجره ..

وعند مسلم قال - صلى الله عليه وسلم -: ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ) ..

وحدثني أحد الدعاة .. أنه طرق عليه باب بيته في منتصف الليل ..

قال: فخرجت أنظر من الطارق .. فإذا شاب عليه مظاهر المعصية ..

ففزعت في ظلمة الليل .. وسألته: ما تريد ؟

قال: أنت الشيخ فلان ؟

قلت: نعم .. قال: يا شيخ .. هنا رجلان قد أسلما على يدي .. ولا أدري ماذا أفعل بهما ..

فقلت في نفسي .. لعل هذا الشاب .. في ظلمة الليل قد شرب مسكرًا .. أو تعاطى مخدرًا ..فأذهب عقله ..

فقلت له: وأين هذان الرجلان .. قال: هما معي في السيارة ..

فنزلت معه إلى سيارته .. فلما أقبلت عليها فإذا اثنان من العمال الهنود .. ينتظران في السيارة .. قلت لهما: أنتما مسلمان .. قالا .. نعم الحمد لله .. الله أكبر ..

فالتفت إلى الشاب .. وقلت متعجبًا: أسلما على يدك !!! .. كيف ..؟؟

فقال: هما يعملان في ورشة .. ولا زلت أتابعهما بالكتب حتى أسلما ..

والآن .. ما يفعل الرجلان طاعة .. ولا يصليان صلاة إلا كان في ميزان هذا الشاب مثل أجورهما ..

ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ..

ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا ..

حدثني أحد الصالحين أنه رأى الشيخ ابن باز رحمه الله بعد موته .. في المنام ..

قال: فسألته .. قلت يا شيخ دلني على عمل فاضل نافع ..

قال فرفع الشيخ يده وهزها وهو يقول: عليك بالدعوة إلى الله .. عليك بالدعوة إلى الله ..

وما زال يكررها حتى غاب عني ..

والدعوة إلى الله ليست مهمة صعبة ..

فكم من شخص كانت هدايته بسبب شريط نافع .. أو نصيحة صادقة .. أو رسالة عابرة ..

وصلتني رسالة قبل أيام .. من شاب في بريطانيا .. ذكر فيها مرسلها في أربع صفحات قصة ضلاله ومعاصيه .. ثم قال ..

وفي ليلة مشهودة .. دخلت مصلى في مانشستر .. فوطأت قدمي على شريط ملقى .. فأخذته ووضعته في جيبي ..

فلما وصلت إلى شقتي .. وضعته في المسجل أسمع .. فإذا الأمر عظيم .. والخطب جسيم ..

وإذا المسألة جنة ونار .. وثواب وعقاب .. قال: فما أصبحت تلك الليلة .. إلا وأنا تائب إلى الله ..

بسبب شريط واحد ..

ووصلتني ورقة بعد إحدى المحاضرات يقول كاتبها:

أنا قبل أربعة عشر عامًا .. كنت واقفًا عند إشارة مرور .. وقد رفعت صوت الغناء .. فالتفت إليَّ شاب من السيارة المجاورة .. وابتسم في وجهي .. ثم مدَّ إليَّ شريطًا ..

وأضاءت الإشارة خضراء وانطلق كل منا إلى سبيله ..

أما أنا فقد وضعت الشريط في المسجل .. فلما استمعت إليه .. فتح الله على قلبي .. وأصبحت لا أغيب عن المحاضرات والدروس إلى يومي هذا ..

وأنا لا أعرف هذا الشاب الذي اهتديت على يده لكنه يكفيه أن الله يعرفه .. والملائكةَ ترقبه .. وأني ما أعمل عملًا إلا كان في ميزانه مثل أجري ..

ومثل هذا الشاب كثير .. ولكن من يوصل إليهم الهدى ..

كم من شاب فجأه الموت وهو تارك للصلوات .. أو مقيم على كبائر الشهوات .. لأن الدعاة ما استطاعوا الوصول إليه .. وأصحابه ما نشطوا في نصيحته .. بحجة أنهم مقصرون مثله ..

وكم من فتاة ترى زميلاتها .. يتبادلن الصور والأشرطة المحرّمة .. بل وأرقام الهواتف المشبوهة .. ومع ذلك إذا طالبناها بنصيحتهن قالت: أنا احتاج إلى من ينصحني .. أنا مقصرة ..

عجبًا .. ما أسعد الشيطان بسماع هذه الكلمات ..

لو تأملنا ..

كيف دخل الإسلام إلى أفريقيا والفلبين .. والهند والصين .. حتى صار فيها ملايين المسلمين ..

فمن دعا هؤلاء ..

والله ما دعاهم مشايخ ولا علماء .. وإنما اهتدوا بسبب أقوام من عامة الناس .. ليسوا طلبة علم .. ولا أئمة مساجد .. ولا تخرجوا من كليات الشريعة ..

أقوام ذهبوا إلى هناك للتجارة .. فدعوا الناس فأسلموا على أيديهم .. فخرج من هؤلاء المسلمين الهنود والصينيين علماءُ ودعاةٌ .. وأجر هدايتهم لأولئك التجار ..

إن توزيع الأشرطة .. ونشر الكتب .. وتوزيع بطاقات الأذكار .. أمور لا تحتاج إلى علم ..

من منا إذا سافر أخذ معه مجموعة من الأشرطة النافعة ثم إذا وقف في محطة وقود وضع في البقالة بعضها ..

وفي المسجد بعضها .. أو وزعها على السيارات الواقفة ..

أو أعطاها أولاده الصغار يوزعونها عليهم ..

الناس في الطريق لا بدّ أن يستمعوا إلى شيء فكن معينًا لهم على سماع الذكر والخير ..

من منا إذا رأى كتابًا نافعًا .. أو شريطًا مؤثرًا .. اشترى منه كمية ثم وزّعها في مسجده ..

أو أهداها لزملائه في العمل .. أو طلابه في المدرسة ..

كثير من مجتمعات الشباب والفتيات تحتاج إلى شجعان يخترقونها .. نعم يخترقون التجمعات .. التي على الشواطئ وفي الاستراحات .. بل وفي البيوت والطرقات ..

نعم .. يخترقها الناصحون .. يصلحون ويذكرون .. يعظون هذا .. وينبهون ذاك .. ويتلطفون مع الثالث .. ويحتوون الرابع ..

ولو رأيت تائهًا عن بيته فدللته عليه .. لكنت مأجورًا ..

فكيف بمن هو تائه عن ربه .. غارق في خطيئته وذنبه .. فما أعظم من يدله عليه ..

ولإن كان أهل الباطل .. قد يفلحون في إفساد الشباب والفتيات .. ونشر المنكرات .. فإن أهل الحق أولى وأحرى ..

وكلما كثرت المنكرات .. وقلت الطاعات ..

غضب رب الأرض والسماء .. وقرب نزول البلاء ..

بل إن المنكر إذا كثر .. خربت البلاد .. وهلك العباد .. وصار الناس كالبهائم .. ما بين حائر وهائم ..

والمنكر إذا وقع .. لم يضر الفاعلين فقط .. بل عم الصالح والطالح ..

قال الله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ..

وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن الله تعالى أوحى إلى جبريل أن أهلك قرية كذا وكذا ..

فقال جبريل: يا رب فيهم عبدك فلان .. رجل صالح .. أي بكاء في الأسحار .. صوام في النهار .. له صدقات وأعمال صالحات .. كيف أهلكه معهم ..

فقال الله: به فابدأ .. فإنه لم يتمعر وجهه فيَّ قط .. أي لم يكن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ..

وصح عند أحمد والترمذي .. أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف .. ولتنهون عن المنكر .. أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده .. ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم ) ..

وصح في المسند وغيرها .. أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي .. هم أعز وأكثر ممن يعمله .. ثم لا يغيروه .. إلا عمهم الله تعالى منه بعقاب ) ..

وصح في المسند أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إن من أمتي قومًا يُعطّون مثل أجور أولهم .. ينكرون المنكر ) ..

وصح عند أبي يعلى .. أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله .. ثم صلة الرحم ..ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ..

نعم .. فلا يعذر أحد في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. كل بحسب استطاعته ..

فقد روى مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ..

وعلى العاقل أن يسلك جميع السبل في سبيل إنكار المنكرات .. ولا يكتفي بسبيل واحد ثم يرضى بالقعود ..

ذكر ابن كثير في تاريخه أن رجلًا من ضعفاء الناس كان له على بعض الكبراء مال كثير ..

فماطله ومنعه حقه .. وكلما طالبه الفقير به آذاه .. وأمر غلمانه بضربه ..

فاشتكاه إلى قائد الجند .. فما زاده ذلك إلا منعًا وجحودًا ..

قال هذا الضعيف المسكين:

فلما رأيت ذلك يئست من المال الذي عليه ودخلني غمّ من جهته .. فبينما أنا حائر إلى من أشتكي ..

إذ قال لي رجل: ألا تأتي فلانًا الخياط إمام المسجد ..

فقلت: ما عسى أن يصنع خياط من هذا الظالم ؟ وأعيان الدولة لم يقطعوا فيه !

فقال: الخياط هو أقطع وأخوف عنده من جميع من اشتكيتَ إليه .. فاذهب لعلك أن تجد عنده فرجًا ..

قال: فقصدته غير محتفل في أمره .. فذكرت له حاجتي ومالي وما لقيت من هذا الظالم ..

فقام وأقفل دكانه .. ومضى يمشي بجانبي حتى وصل إلى بيت الرجل .. وطرقنا الباب .. ففتح الرجل الباب مغضبًا .. فلما رأى الخياط .. فزع .. وأكرمه واحترمه ..

فقال له الخياط: أعط هذا الضعيف حقه ..

فأنكر الرجل وقال: ليس له عندي شيء ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت