فهرس الكتاب
عليه السلام، و عزم على ذلك و شاور ملأه فيه، خاف هذا المؤمن على موسى، فتلطف في رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب و الترهيب، فقال على وجه المشورة و الرأي. و قد ثبت في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) . و هذا من أعلى مراتب هذا المقام، فإن فرعون لا أشد جورا منه، و هذا الكلام لا أعدل منه، لأن فيه عصمة نبي، و يحتمل أنه كاشفهم بإظهار إيمانه، و صرح لهم بما كان يكتمه، و الأول أظهر، و اللّه أعلم. قال: أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ
اللَّهُ
أي من أجل أنه قال ربي اللّه، فمثل هذا لا يقابل بهذا بل بالإكرام و الاحترام و الموادعة و ترك الانتقام، يعني لأنه: وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ أي بالخوارق التي دلت على صدقة فيما جاء به عمن أرسله، فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامة لأنه: وَ إِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ و لا يضركم ذلك وَ إِنْ يَكُ صادِقًا و قد تعرضتم له يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ أي و أنتم تشققون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به، فكيف بكم إن حل جميعه عليكم.
و هذا الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التلطف و الاحتراز و العقل التام، و قوله:
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ يحذرهم أن يسلبوا هذا الملك العزيز، فإنه ما تعرضت الدول للدين إلا سلبوا ملكهم، و ذلوا بعد عزهم، و كذا وقع لآل فرعون، ما زالوا في شك و ريب و مخالفة و معاندة لما جاءهم موسى به، حتى أخرجهم اللّه مما كانوا فيه من الملك و الأملاك و الدور و القصور و النعمة و الحبور، ثم حولوا إلى البحر مهانين، و نقلت أرواحهم بعد العلو و الرفعة إلى أسفل السافلين، و لهذا قال هذا الرجل المؤمن المصدق البار الراشد التابع للحق الناصح لقومه الكامل العقل: يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أي عالين على الناس حاكمين عليهم فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا أي لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد و العدة و القوة و الشدة لما نفعنا ذلك، و لا رد عنا بأس مالك الممالك قالَ فِرْعَوْنُ أي في جواب هذا كله ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى أي ما أقول لكم إلا ما عندي وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ