فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 200

تفاقم الأمر، و ضاق الحال، و اشتد الأمر، و اقترب فرعون و جنوده في جدهم و حدهم و حديدهم و غضبهم و حنقهم، و زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر، فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير رب العرش الكريم إلى موسى الكليم: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فلما ضربه، يقال: إنه قال له: انفلق بإذن اللّه، و يقال: إنه كناه بأبي خلد، فاللّه أعلم، قال اللّه تعالى: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ و يقال: إنه انفلق اثنتي عشرة طريقا، لكل سبط طريق يسيرون فيه، حتى قيل: إنه صار أيضا شبابيك ليرى بعضهم بعضا، و في هذا نظر، لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه. و هكذا كان ماء البحر قائما مثل الجبال مكفوفا بالقدرة العظيمة الصادرة من الذي يقول للشي ء كن فيكون، و أمر اللّه ريح الدبور فلقحت حال البحر، فأذهبته حتى صار يابسا لا يعلق في سنابك الخيول و الدواب.

قال اللّه تعالى في سورة طه: وَ لَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَ لا تَخْشى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (78) وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى (79) ... و المقصود: أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الرب العظيم الشديد المحال، أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببني إسرائيل، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين، و قد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين، و يهدي قلوب المؤمنين، فلما جاوزوه و جاوزه و خرج آخرهم منه و انفصلوا عنه، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه و وفودهم عليه، فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه، لئلا يكون لفرعون و جنوده وصول إليه، و لا سبيل عليه، فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال، كما قال و هو الصادق في المقال* وَ لَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَ جاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَ أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (19) وَ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت