(23) وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ (25) وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ (26) وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (27) كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَ لَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَ
لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (32) وَ آتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ
(33) ، (الدخان) .. فقوله تعالى:
وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا أي ساكنا على هيئته لا تغيره عن هذه الصفة، قاله عبد اللّه بن عباس و مجاهد و عكرمة و الربيع و الضحاك و قتادة و كعب الأحبار و سماك بن حرب و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم و غيرهم. فلما تركه على هيئته و حالته، و انتهى فرعون فرأى ما رأى، و عاين ما عاين، هاله هذا المنظر العظيم، و تحقق ما كان يتحققه قبل ذلك، من أن هذا من فعل رب العرش الكريم، فأحجم و لم يتقدم و ندم في نفسه على خروجه في طلبهم و الحالة هذه حيث لا ينفعه الندم، لكنه أظهر لجنوده تجلدا و عاملهم معاملة العدا، و حملته النفس الكافرة، و السجية الفاجرة على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه و على باطله تابعوه: انظروا كيف انحسر البحر لى لأدرك عبيدي الآبقين من يدي الخارجين عن طاعتي و بلدي و جعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم و يرجو أن ينجو و هيهات، و يقدم تارة و يحجم تارات، فذكروا أن جبريل عليه السلام تبدى في صورة فارس راكب على رمكة حائل، فمر بين يدي فحل فرعون، لعنه اللّه، فحمحم إليها، و أقبل عليها، و أسرع جبريل بين يديه، فاقتحم البحر و استبق الجواد، و قد أجاد فبادر مسرعا، هذا و فرعون لا يملك من نفسه ضرا و لا نفعا، فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين، حتى هم أولهم بالخروج منه فعند ذلك أمر اللّه تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فارتد عليهم البحر كما كان، فلم ينج منهم إنسان.
قال اللّه تعالى: وَ أَنْجَيْنا مُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) أي في إنجائه