ولموافقة الباء [88] ، كقوله تعالى:"ينظرون من طرفٍ خفيٍّ" [89] .
وهذا أليقُ بمذهب الكوفيّين [90] ؛ لأنّ أصلَهم جوازُ بدلِ الحرفِ من الحروفِ في الحقيقة، وأصل البصريّين حملُ ما جاء من هذا على تضمين الفعل معنى فعلٍ آخر يتعدّى بذلك الحرف [91] .
والزائدة: الموضوعة للعموم لتأكيد استغراقه، وهي الداخلة على الألفاظ الموضوعة للعموم، نحو: [ما جاء من رجلٍ، و] [92] ما قام من أحدٍ، وفيه نظرٌ [93] .
وقيل: لنصوصيّة العموم في الأوّل، ومجرّد التوكيد في الثاني [94] ، وقيل: لتأكيد الاستغراق فيهما [95] ، وقيل: لبيان الجنس في الأوّل [96] .
وشرطها: عدم الإيجاب، وتنكير ما دخلت عليه، خلافًا للكوفيّين في الأوّل [97] ، وللأخفش [98] فيهما، وعدم الإيجاب: أن يكون الكلام نفيًا أو نهيًا أو استفهامًا.
فَتُزَادُ مع الفاعل، والمفعول، ومع المبتدأ في غير المنهيّ، كقوله تعالى:"مالكم من إلهٍ غيرُهُ" [99] ."ما جاءنا من بشيرٍ" [100] ،"ما ترى في خلق الرحمن من تفاوتٍ" [101] ،"هل من خالقٍ غيرُ الله" [102] ،"هل ترى من فطور" [103] ، ونحوه: هل جاءك من رجلٍ، [و] لا يقم من أحدٍ، ولا يضرب من أحدٍ. وفي زيادتها في الشرط خلافٌ [104] .
و (مِنْ) تجيء للقَسَمِ، ولا تدخل إلا على الرّبِّ، نحو: مُِنْ ربّي لأفعلنّ - بكسر الميم، وضمّها - [105] ، وتجي لموافقة (رُبَّ) ، قاله السيرافيّ [106] ، وأنشد:
1-وإنّا لَمِنْ ما نَضْرِبُ الكبشَ ضربةً
على رأسه تُلْقِي اللسانَ مِن الفمِ [107] .
ومنها (إلى) :
وفي دخول ما بعدها فيما قبلها أقوالٌ [108] ، ثالثها: إنْ كان من جنس الأوّل دَخَلَ، وإلا فلا، وهذا الخلاف عند عدم القرينة، والصحيح أنّه لا يدخل، وهو قول أكثر المحقّقين؛ لأنّ الأكثر مع القرينة لا يدخل.
ومعناها: انتهاء الغاية، كقوله تعالى:"إلى المسجد الأقصى" [109] .
[88] تأويل مشكل القرآن: 576.
[89] الشورى 45.
[90] إنابة بعض حروف الجرّ عن بعض هو مذهب الكوفيّين وأبي عبيدة والأخفش وابن قتيبة والمبرّد وأكثر النحاة المتأخرين.
انظر: معاني القرآن للفراء 1/63، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/324، معاني القرآن للأخفش 1/46، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة 567، المقتضب 2/318، شرح القصائد السبع الطوال 35، الخصائص 2/306، التوطئة للشلوبين 345، شرح الجمل لابن عصفور 1/493، الارتشاف 2/427، الجنى الداني 104، المغني 104.
[91] انظر: معاني القرآن وإعرابه 1/416، الإنصاف 2/481، الارتشاف 2/435، الجنى الداني 108، المغني 142، ائتلاف النصرة في اختلاف نحاة الكوفة والبصرة 141.
[92] زيادة يقتضيها الكلام بعده، وانظر: الجنى الداني 320، المغني 425.
[93] أي: في اشتراط كون النكرة عامّة نظرٌ، قال المرادي في (الجنى الداني 322) : (( لأنّها قد تزاد مع النكرة التي ليست من ألفاظ العموم... والظاهر أنّ مراده أن تكون النكرة مرادًا بها العموم: فإنّ(مِنْ) لا تزاد مع نكرة يراد بها نفي واحدٍ من الجنس )).
[94] الأولّ: ما جاء من رجل، والثاني: ما قام من أحد.
[95] هذا قول سيبويه (الكتاب 2/307) ، وانظر: الارتشاف 2/445- 446.
[96] الجنى الداني 320.
[97] شرح الجمل لابن عصفور 1/485، شرح الكافية للرضيّ 2/319، رصف المباني 391، الارتشاف 2/444، الجنى الداني 221، المغني 428.
[98] وهو مذهب الكسائيّ وهشام بن معاوية الضرير أيضًا.
انظر: معاني القرآن للأخفش 1/98، المسائل البصريّات 1/247، شرح التسهيل 3/139، الارتشاف 2/444، الجنى الداني 321، المغني 428.
والأخفش هو: سعيد بن مسعدة المجاشعيّ، المتوفىّ سنة 215هـ. ترجمته في: تاريخ العلماء النحويّين 85، بغية الوعاة 1/590.
[99] الأعراف 59، 65، 73، 85، هود 50، 61، 84، المؤمنون 23، 32.
[100] المائدة 19.
[101] الملك 3.
[102] فاطر 3.
[103] الملك 3.
[104] أجاز ذلك الفارسيّ. انظر: المغني 425، 435.
[105] الجنى الداني 319.
[106] شرح الكتاب 4/43 ب، ووافقه الأعلم وابن طاهر وابن خروف. (الارتشاف 2/443) ، وانظر: المقتضب 4/174، وأمالي السهيليّ 52- 53. والسيرافيّ هو: الحسن بن عبدالله بن المرزبان، أبو سعيد السيرافيّ، المتوفىّ سنة 368هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد 7/341، إنباه الرواة 1/313.
[107] بيت من البحر الطويل لأبي حيّة الهيثم بن الربيع النميريّ، (شعره: 144) .
وهو في: الكتاب 1/477، ومغني اللبيب 344، وشرح أبياته 5/263، وخزانة الأدب 10/214- 220.
[108] انظر: رصف المباني 166- 167، التمهيد في تنزيل الفروع على الأصول للإسنويّ 59، الكوكب الدرّيّ له 320، الارتشاف 2/450، الجنى الداني 373، المغني 104.
[109] الإسراء 1.