ومن الجائز تقدّمُ لام (كَيْ) إذا لم تتصل [312] بها (لا) ، نحو: جئتُ لأقرأ، فإن شئت: لأن.
فإنِ اتّصلتْ بها (لا) وَجَبَ إظهارُ (أن) ، نحو: لئلا.
وبعد عاطِف فعلٍ على اسمٍ ملفوظٍ به، نحو: يعجبني قيامُ زيدٍ، ويخرجَ عمرٌو.
وما عداه هذه المواضع لا تعمل إلا مظهرةً إلا ما سُمِعَ، نحو: (تسمعَ بالمعيديّ خيرٌ من أن تراه) [313] ، أي أنْ تسمعَ.
وأما (لَنْ) فلنفي (سيفعل) ، وهي بسيطةٌ وفاقًا لسيبويه [314] ، لا مركبةٌ خلافًا للخليل [315] .
ويجوز تقديمُ منصوب منصوبها عليها إذا لم يكن تمييزًا، نحو: زيدًا لن أضربَ، ولا يجوز: عرقًا لن يتصبّبَ زيدٌ؛ لأنّه تمييزٌ، وحُكِيَ عن الأخفش [316] منعُ تقديمِ منصوبِ منصوبها عليها مطلقًا.
وحُكِيَ أيضًا الجزمُ بها [317] ، وأنشدَ ابنُ الطراوةِ [318] عليه:
31-لن يَخِبِ الآن مِنْ رجائك مَنْ
حرّك من دون بابك الحَلَقَهْ [319]
وأما (إذَنْ) فجوابٌ وجزاءٌ، نحو: أزورك، فتقول: إذنْ أُحْسِنَ إليك، وقد تأتي جوابًا فقط، نحو: أجيئك، فتقول: إذنْ أظنُّك صادقًا، وهي ناصبة بنفسها لا بـ (أنْ) مضمرة بعدها على الصحيح [320] . وشَرْطُها أنْ تكونَ مُصَدَّرَةً، والفعلُ بعدها مستقبلٌ، فإنْ كان حالًا لم تعملْ، نحو: إذن أكرمُك الآن، وإنْ لم تَصَدَّرْ، تأخرتْ نحو: أكرمك إذن، أو توسّطتْ، وما / قبلها مفتقرٌ إلى ما بعدها [5أ] كمبتدأ وخبر، نحو: أنا إذن أكرمُك، أو شرطٍ وجوابِه، نحو: إن تأتني إذن أكرمُك، أو قَسَمٍ وجوابِهِ، نحو: والله إذن أُحسنُ إليك، لم تعملْ أيضًا خلافًا التوسّط، وحُكِيَ [321] أنّ بعض العرب لا ينصب بها مطلقًا.
وأمّا (كَيْ) فإن دخل عليها حرف الجرّ، نحو: (لكيّ) تعيّن أن تكون ناصبةً بنفسها خلافًا للكوفيّين [322] ، وإنْ لم يدخل احتمل أن يكون مقدَّرًا، فتكونَ ناصبةً بنفسها، أو لا، فيكونَ النصب بـ (أن) المضمرة بعدها.
النوع الثالث: الجوازم [323]
[312] في نسخة التحقيق: (يفضل) .
[313] مَثَلٌ أوّل من قاله المنذر بن ماء السماء، والمعيديّ هو تصغير مَعَدِّيّ، والمراد به شقّة بن ضمرة بن جابر النهشليّ. والمثل في: كتاب الأمثال للقاسم بن سلام 97، الأمثال للضبّيّ 55، جمهرة الأمثال للعسكريّ 1/266 الفاخر 65، فصل المقال 135، المستقصى في الأمثال 1/370، مجمع الأمثال 1/129، تمثال الأمثال 1/395.
[314] الكتاب 1/407.
[315] المصدر السابق، ورصف المباني 355، والنكت الحسان 143، والجنى الداني 284. والخليل هو: الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيديّ الأزديّ، المتوفى سنة 170هـ.
ترجمته في: مراتب النحويين 54- 72، إنباه الرواة 1/341- 347.
[316] ذكر أبو حيّان في كتابه (النكت الحسان 143) أنّ ابن فضّال حكاه في كتابه (العوامل والهوامل) ، وهذه الحكاية في كتاب (معاني الحروف المنسوب للرمّانيّ 100) ، وهذا يقطع بصحّة أنّ هذا الكتاب المنسوب للرمّانيّ إنما هو كتاب (العوامل والهوامل) لعليّ بن فضّال المجاشعيّ.
وانظر هذه الحكاية في: الارتشاف 2/392، المغني 274.
والمقصود بالأخفش هنا علي بن سليمان، وهو الأخفش الصغير، المتوفى سنة 315هـ. ترجمته في: تاريخ العلماء النحويّين 45- 46، إنباه الرواة 2/276- 278.
[317] حكاه اللحيانيّ في نوادره. انظر: الارتشاف 2/390، المغني 375.
[318] انظر: شرح أبيات المغني 5/161.
[319] بيت من البحر المنسرح لأعرابيّ يمدح الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما -. والبيت في: النكت الحسان 143، البحر المحيط 1/166، المغني 375، شرح أبياته 5/161، همع الهوامع 2/4، الدرر اللوامع 2/4. ومن الجزم بـ (لن) قول الكنديّ:
فلن أكْفُرْ بلاءَ بني عديَّ
وعفوَهمُ على حَدَثِ الخَطُوبِ
انظر: كتاب الأنوار ومحاسن الأشعار: 233.
[320] مذهب الخليل أنّها ليستْ ناصبةً بنفسها، وأنّ (أنْ) بعدها مقدّرة، وإليه ذهب الزجّاج والفارسيّ. انظر: الكتاب 1/412، رصف المباني 156، الارتشاف 2/395، الجنى الداني 357.
[321] هي لُغَيَّةُ حكاها عيسى بن عمر وسيبويه. انظر: الكتاب 1/412، رصف المباني 153، النكت الحسان 144، الجنى الداني 356.
[322] شرح الجمل لابن عصفور 2/141.
[323] المصدر الرئيس للمؤلف في هذا النوع هو كتاب أبي حيّان الأندلسيّ (النكت الحسان في شرح غاية الإحسان) .