و (لعلّ) : ومعناها الترجي في المُمْكِنِ المحبوبِ، والإشفاقُ من المكروهِ، وَزِيدَ في معناها التعليلُ [337] ، كقوله تعالى:"قولًا ليّنًا لعلّه يتذكّر" [338] ، والاستفهامُ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - لبعض الأنصار:"لعلّنا أعجلناك" [339] .
و (كأنّ) : ومعناها التشبيه، وقيل: التحقيق [340] ، كقوله:
35-وأصبحَ بطنُ مكّةَ مُقْشَعِرًا
كأنَّ الأرضَ ليسَ بها هِشامُ [341]
وهي مُرَكَّبَةٌ من كاف التشبيه و (إنّ) ، ثمّ صارا كحرف واحدٍ، فلا تتعلّق [5ب] الكافُ بشيءٍ [342] ، ولا ما بعدها في موضعِ جرٍّ بها خلافًا لزاعمه [343] .
و (لكنّ) ومعناها الاستدراك، وهي بسيطةٌ، لا مُركَّبَةٌ، خلافًا لزاعمه [344] .
الصنف الثاني: الذي يرفع المبتدأ، وينصب الخبر، وهو:
(ما) ، و (لا) ، و (لات) ، و (إنْ) ، و (ليس) عند من يقول بحرفيتها [345] .
فـ (ما) عند الحجازيّين لا التميميّين [346] بشروط ثلاثة:
[أن] [347] يتأخرَ خبرُها عن اسمِها، نحو: ما زيدٌ قائمًا، فإنْ تقدّمَ لم تعملْ خلافًا للفرّاء [348] .
وأنْ لا يُفْصَلَ بينها وبين اسمِها بـ (إنْ) ، نحو: ما إنْ زيدٌ قائمٌ.
وأجاز الكوفيّون عملها وإن فُصِلَ [349] .
وأنْ لا يكونَ خبرُها مُوْجَبًا، نحو: ما زيدٌ إلا قائمٌ، ولم يَعْتَبِرْهُ يونس [350] .
وأعْمَلَها الكوفيّون إذا كان الثاني مُنزَّلًا منزلةَ الأوّلِ، نحو: ما زيدٌ إلا زهيرًا شعرًا [351] .
وأمّا (لا) فشرطُها أيضًا تنكيرُ معمولِها، نحو: لا رجلٌ قائمًا، وقيل: لا يُشْتَرَطُ [352] ، وشاهده:
36-وحَلَّتْ سوادَ القلبِ لا أنا باغيًا
سِواها ولا في حبِّها مُتراخيا [353]
ونفي الخبرُ، وعَمَلُها عَمَلَ (ليس) قليلٌ، بخلاف (إنْ) ، حتّى أنكره بعضهم [354] ، وقال بعضهم [355] : تعمل عمل (ليس) في رفع الاسم خاصّةً، لا في نصب الخبر؛ لضعفها [356] ، ودليل عملها [357] فيهما قوله:
37-تعزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقيًا
ولا وَزَرٌ مما قضى اللهُ واقيًا [358]
[337] زاده الكسائيّ (الجنى الداني 527) ، والأخفش (معاني القرآن له 2/407) ، وقطرب (أمالي ابن الشجريّ 1/77) ، والفرّاء (البحر المحيط 6/245) . والفارسيّ (جواهر الأدب 235) ، والهرويّ (الأزهيّة في علم الحروف 218) .
[338] طه 44.
[339] روى البخاريُّ - عليه رحمةُ اللهِ - في (صحيحه 1/93) عن أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى رجلٍ من الأنصار، فجاء ورأسه يقطر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لعلّنا أعجلناك"، فقال: نعمْ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا اُعْجِلْتَ أو قُحِطْتَ فعليكَ الوضوءُ".
[340] قاله الكوفيّون والزجّاجيّ. انظر: الجنى الداني 519، المغني 253، الهمع 1/133.
[341] بيتٌ من البحر الوافر ينسبُ للحارث بن خالد المخزوميّ (شعره: 125) . والصحيح أنّه للحارث بن أميّة بن عبد شمس الصغري، من قصيدة يرثي بها هشام بن المغيرة. انظر: الكامل 2/671، حذف من نسب قريش لمؤرّج السدوسيّ 67، الاشتقاق لابن دريد 101، مغني اللبيب 253، شرح أبيات المغني 1/169.
[342] الارتشاف 2/129.
[343] الزاعم هو ابن جنّي في (سرّ صناعة الإعراب 1/304- 305) ، وردّ عليه المراديّ في (الجنى الداني 518) .
[344] زعم الكوفيّون أنّها مركّبة. انظر: الإنصاف 1/214، الارتشاف 2/128، الجنى الداني 556، المغني 384.
[345] القول بحرفيّتها مذهب الفرّاء، وسائر الكوفيّين والفارسيّ وابن شُقير، ويعزى إلى ابن السرّاج، وما في كتابه (الأصول 1/82) يخالفه. انظر: المسائل الحلبيّات 219، اللامات للزجّاجيّ 34، الارتشاف 1/72، الجنى الداني 459، المغني 387.
[346] الكتاب 1/28.
[347] زيادة يقتضيها السياق.
[348] الارتشاف 2/103.
[349] النكت الحسان 74، الجنى الداني 328.
[350] روي ذلك عن يونس بغير طريق سيبويه. انظر: تسهيل الفوائد 57، وشرحه للمؤلف 1/373، النكت الحسان 74، الجنى الداني 327.
ويونس هو: ابن حبيب الضبّيّ البصريّ المتوفّى سنة 182.
ترجمته في: أخبار النحويّين البصريّين 33- 38، إنباه الرواة 4/68- 72.
[351] النكت الحسان 74.
[352] هذا رأي ابن جنّي وابن الشجريّ.
انظر: أمالي ابن الشجريّ 1/431- 422، النكت الحسان 76، الجنى الداني 302، المغني 316.
[353] بيت من البحر الطويل للنابغة الجعدي رضي الله عنه. (شعره: 171) وانظر: شرح التسهيل 1/325، البحر المحيط 2/282، النكت الحسان 76، الخزانة 3/337، شرح أبيات المغني 4/378.
[354] نُسِبَ المنع إلى المبرّد والأخفش، والذي في كتاب المبرّد (المقتضب 4/382) جوازه. انظر: الجنى الداني 301، والصحيح أنّ منكره هو أبو الحسن الأبّذيّ. انظر: النكت الحسان لأبي حيّان 75.
[355] حكاه ابن ولاد عن الزجّاج. انظر: الجنى الداني 301.
[356] في المخطوطة: (لضعفهما) .
[357] في المخطوطة: (عملهما) .
[358] بيت من البحر الطويل، لم أعرف قائله. والبيت في: المغني 315، شرح أبياته 4/377.