وحين دَلَفَتْ رِجْلايَ أبوابَ مكتبة جامعة برنستون في ولاية نيوجرسي، وهي ثاني أشهر المكتبات الأمريكيّة بعد مكتبة الكونجرس الشهيرة، حينذاك لم يكن يخطر ببالي أنّها بتلك الضخامة التي وجدتها عليها؛ ففيها أكثر من ستين ألف مخطوطة عربيّة، وفيها من وسائل حفظ المخطوطات وخدمة الباحثين وسرعة تلبية طلباتهم مالا يخطر على بال باحثٍ عربيّ مثلي قد عانى معاناةً طويلةً من إيصاد أبواب المكتبات بوجهه في عالمه العربيّ، وفي البلد المسلم (تركيا) . وبعد اعتكافي أيّامًا في تلك المكتبة العريقة خرجتُ منها بسعادة وحزنٍ سببهما ما ألمحتُ إليه آنفًا، وظفرتُ بمجموعة مصورات لنوادر المخطوطات العربيّة فيها، وكانت إحداها مخطوطة كتاب (التحفة الوفيّة بمعاني حروف العربيّة) للسفاقسيّ، فحين اطّلعتُ عليها وجدتها قليلة الورقات غزيرة الفوائد والمعلومات، فلم أتقاعس عن طلب تصويرها عازمًا على المبادرة إلى تحقيقها ونشرها.
وظللتُ سنواتٍ أنقّبُ في فهارس المخطوطات سعيًا وراء الظفر بنسخة أخرى للكتاب تكون عونًا لي بعد الله تعالى على تحقيقه، ولكنّي كنتُ لا أعودُ بعد كلِّ سياحةٍ في الفهارس مشرّقًا كُنْتُ أو مغرّبًا إلا بخفّي حنينٍ، وبمعلومات لا تقدّر بثمنٍ يزخر بها حاسوبي الشخصيّ عن أماكن وجود نوادر المخطوطات وأرقامها ووصفها، وبعد يأسي من العثور على نسخة أخرى قمت بتحقيق هذا الكتاب.
وقد سلكتُ في التحقيق منهجًا مطوّرًا عن مناهج شيوخ التحقيق في عالمنا العربيّ، وقد أوضحتُ معالمه في موضعه، لكنّي هنا أؤكّد على أنّي قد ابتعدتُ فيه عن حشو الكتاب بالتعليقات التفصيليّة التي تجعل من الكتيّب كتابًا ضخمًا، وهذا - في رأيي - منهجٌ غيرُ سليم بدأ بترسيخه بعض المشتغلين في التحقيق، ففهمو أنّ التحقيق لابدّ أن يكون شرحًا للكتاب المحقّق، فأخرجوه عن مراد مؤلّفه.