وصله بليلته .فأمسى يوما وقد فرغ من حوائجهم فدعا بمصباح قد كان يستصبح به من ماله , ثُمَّ صلى ركعتين ثُمَّ أقعى واضعا يده تحت ذقنه تسيل دموعه عَلَى خده,فلم يزل كذلك حَتَّى برق الفجر فأصبح صائما.
فقلت لَهُ: يا أمير المؤمنين , لشيء ما كان منك ما رأيت الليلة ؟
قَالَ: أجل , إني قد وجدتني وليت أمر هذه الأمة أسودها وأحمرها فذكرت الغريب القانع الضائع , والفقير المحتاج , والأسير المقهور وأشباههم فِي أطراف الأرض , فعلمتُ أن الله تعالى سائلني عنهم وأن محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجيجي فيهم , فخفت أن لا يثبت لي عند الله عذر , ولا يقوم لي مَعَ محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجة , فخفت عَلَى نفسي .
ووالله إن كان عمر ليكون فِي المكان الذي ينتهي إليه سرور الرجل مَعَ أهله فيذكر الشيء من أمر الله فيضطرب كما يضطرب العصفور قد وقع فِي الماء , ثُمَّ يرتفع بكاؤه حَتَّى أطرح اللحاف عني وعنه رحمةً لَهُ .
ثم قالت:والله لوددت لو كان بيننا وبين هذه الإمارة بعد مابين المشرقين.
قَالَ:
[48] وحَدَّثَنِي بعض أشياخنا الكوفيين قَالَ:قَالَ لي شيخ بالمدينة: رأيت عمر بن عبد العزيز بالمدينة وهو من أحسن الناس لباسا , وأطيبهم ريحا , ومن أخيلهم فِي مشيته , ثُمَّ رأيته بعد أن ولي الخلافة يمشي مشية الرهبان.قَالَ:فمن حدثك أن المشية سجية فلا تصدقه بعد عمر بن عبد العزيز .
قَالَ:
[49] وحَدَّثَنِي بعض أشياخنا عن إسماعيل بن أبي حكيم , قَالَ: غضب عمر بن عبد العزيز يوما فاشتد غضبه - وكان فيه حدة - وعبد الملك ابنه حاضر . فلما سكن غضبه قَالَ له: يا أمير المؤمنين فِي قدر نعمة الله عندك وموضعك الذي وضعك الله به وما ولاك من أمر عباده أن يبلغ بك الغضب ما أرى ؟
قَالَ: كيف قلتَ ؟ فأعاد عليه كلامه .
فقَالَ له عمر: أما تغضب أنت يا عبد الملك ؟
قَالَ: ما يغني عني جوفي إن لم أرد الغضب فيه حَتَّى لا يظهر منه شيء .