فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 231

حَتَّى تَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ، وَخَالفَ قَوْمَهُ. فَمَنْ يَتْرُكَ طَرِيقَ إِبْراهيمَ هذا وَمَسْلَكَهُ وَمِلَّتَهُ، وَيَتَّبِعْ طَرِيقَ الغَيِّ وَالضَّلاَلِ، فَهُوَ سَفِيهٌ، وَلاَ يَرْتَكِبُ الضَّلاَلَةَ إِلاَّ السَّفيهُ. وَلَقَدِ اصْطَفَى اللهُ إِبراهِيمَ وَاخْتَارَهُ في الدُّنيَا، وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الصَّالِحِينَ المُقَرَّبينَ عِنْدَ اللهِ. أَمَرَ اللهُ إِبراهيمَ بِالإِخلاَصِ لَهُ، وَالاسْتِسْلامِ لِحُكْمِهِ، فَامْتَثَلَ لأَمْرِ رَبِّهِ، وَقَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ جَمِيعًا. وَكَانَتْ كَلِمَةُ الإِسْلامِ للهِ مُحَبَّبَةً إِلَى نَفْسِ إِبْراهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فَأَوصَوْا بِهَا أَبْنَاءَهُمْ حِينَ حَضَرَتْهُمُ الوَفَاةُ وَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَأَحْسِنُوا فِي حَيَاتِكُمْ، وَالْزَمُوا ذلِكَ لِيَرزُقَكُمُ اللهُ الوَفَاةَ عَلَيهِ، لأنَّ المَرْءَ يَمُوتُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ، وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ. [1]

3 -وقال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) } [النساء:125] .

وَمَنْ أَحْسَنَ دِينًا مِمَّنْ جَعَلَ قَلْبَهُ خَالِصًا للهِ وَحْدَهُ، وَأَخْلَصَ العَمَلَ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَعَمِلَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ فِي عَمَلِهِ مُحْسِنًا، وَمُتَّبِعًا مَا شَرَعَهُ اللهُ لَهُ، وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الهُدَى وَدِينِ الحَقِّ. وَهَذَانِ شَرْطَانِ لاَ يَصِحُّ بِدُونِهِمَا عَمَلٌ صَالِحٌ:

-أنْ يَكُونَ العَمَلُ خَالِصًا للهِ.

-أنْ يَكُونَ صَوَابًا مُوافِقًا لِلْشَرْعِ الذِي شَرَعَهُ اللهُ.

وَعَلى العَامِلِ المُخْلِصِ فِي عَمَلِهِ للهِ أنْ يَكُونَ قَدِ اتَّبَعَ، مَعَ مُحَمَّدٍ وَالمُسْلِمِينَ، مِلَّةَ إِبْراهِيمَ مُخْلِصًا، مُنْحَرِفًا عَنِ الشِّرْكِ (حَنِيفًا) ،وَتَارِكًا لِلْشِّرْكِ عَنْ بَصيرةِ، وَمقْبِلًا عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى بِكُلِّيَّتِهِ. ثُمَّ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، الذِي بَلَغَ غَايَةَ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ العِبَادُ إلى اللهِ، فَقَالَ تَعَالَى: إنَّ إِبْرَاهِيمَ انْتَهَى إلى مَنْزِلَةِ الخَلِيلِ لَدَى خَالِقِهِ، وَهِيَ أَرْفَعُ مَقَامَاتِ المَحَبَّةِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ هَذِهِ المَنْزِلَةُ كَانَ جَدِيرًا بِأَنْ يُتَّبَعَ فِي مِلَّتِهِ [2] .

4 -وقال الله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) } [هود:74 - 75] .

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1/ 137)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1/ 618)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت