2 -وقال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) } [مريم:51 - 53] .
بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ ثَنَّى بِذِكْرِ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى كَانَ مُخْلِصًا فِي عِبَادَتِهِ (بِكَسْرِ اللامِ) ،وَقَرَأَهَا آخَرُونَ بِفَتْحِ الّلامِ (أَيْ مُصْطَفَى) فَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى - {إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس} فَكَانَ رَسُولًا مِنْ أُوْلِي العَزْمِ، وَكَانَ نَبِيًّا دَاعِيًا إِلَى الخَيْرِ، وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا لِلْخَلْقِ. وَحِينَمَا كَانَ مُوسَى سَائِرًا بِأَهْلِهِ مِنْ مَدْيَنَ إِلَى مِصْرَ، وَصَلَ إِلَى وَادِي الطُّورِ، فَلَمَحَ نَارًا عَنْ بُعْدٍ، وَهُوَ فِي الَّليْلِ، فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا لَعَلِّي آتِيكُمْ بِقَبَسٍ مِنَ النَّارِ، أَوْ أَسْأَلُ مَنْ هُنَاكَ عِنْدَ النَّارِ لِيَهْدُونِي إِلَى الطَّرِيقِ، فَوَجَدَ النَّارَ عَنْ يَمِينِهِ، فَنَادَاهُ اللهُ تَعَالَى وَقَرَّبَهُ وَنَاجَاهُ، وَأَنْبَأَهُ بِأَنَّهُ اخْتَارَهُ لِيَكُونَ رَسُولَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ. [1]
3 -وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) } [الصافات:114 - 122] .
أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدَيْهِ مُوسَى وَهَارُونَ بِالنُّبُوَّةِ والنَّصْرِ والخَيْرِ الكَثِيرِ. وَنَجَّاهُمَا اللهُ تَعَالَى، وَمَنْ آمَنَ مَعَهُمَا مِنْ قَوْمِهِمَا، مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ الذِي كَانُوا فِيهِ تَحْتَ حُكْمِ فِرْعَوْنَ، الذِي كَانَ يَسْتَخْدِمُهُمْ فِي أَخَسِّ الأَعْمَالِ وأَشَقِّهَا، وَكَانَ يَقْتُلُ الذُّكُورَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ، وَيَسْتَحْيِي النِّسَاءَ. وَنَصَرَهُمَا اللهُ تَعَالَى عَلَى أَعْدَائِهِمَا فَغَلَبَاهُمْ. وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ الكِتَابَ الجَلِيَّ الوَاضِحَ، الجَامِعَ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ البَشَرُ فِي مَصَالِحِ الدِّينِ والدُّنْيَا، وَهُوَ التَّوْرَاةُ. وَأَرْشَدَهُمَا اللهُ تَعَالَى إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ والهُدَى. وَأَبْقَى اللهُ لَهُمَا الذِّكرَ الحَسَنَ، والثَّنَاءَ الجَمِيلَ فِيمَنْ أَتَوْا بَعْدَهُمَا. وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى المَلاَئِكَةَ والإِنْسَ والجِنِّ يُسَلِّمُونَ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ أبدَ الدَّهْرِ. وَمِثْلُ هَذَا الجَزَاءِ الذِي جَازَى اللهُ بِهِ مُوسى وَهَارُونَ، يَجْزِي بِهِ اللهُ تَعَالَى المُحْسِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ. لأَنَّهُمَا مِنْ عِبَادِ اللهِ المُؤْمِنِينَ، المُنْقَادِينَ لأَمْرِهِ، وَالْعَامِلِينَ فِي
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1/ 2301)