ذلك ، أى: الأمر بالإجارة وحسن المعاملة. وتوصيله إلى مكان أمنه ودار إقامته بسبب أنهم قوم جهلة بحقيقة الدين ، ولا يعلمون عنه إلا معلومات مشوشة خاطئة كما يعلم الغربيون عن ديننا من المعلومات التي تعلموها على أيدى رجال دينهم ، وللأسف الشديد إذا أراد الواحد منهم أن يعرف شيئا عن الإسلام حكم عليه بأعمال أهله ، ويا له من حكم قاس!! فإننا مسلمون بالوراثة والنسب لا بالعمل والخلق!!
وكيف يكون للمشركين عهد محترم عند اللّه وعند رسوله ؟ وهذا استنكار لأن يكون لهم عهد حقيق وجدير بالمراعاة عند اللّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والمراد: ليس لهم عهد على أى وضع وحال ، وهذا أبلغ في النفي من غيره ، ولكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ، وهم الذين سبق استثناؤهم في قوله: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا الآية. وهذا مقيدا بأنهم يستقيمون لكم ولا يقدمون أى إساءة ، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، وأتموا لهم عهدهم إلى مدتهم على هذا الأساس وهو عدم تعديهم عليكم ، إن اللّه يحب المتقين الذين يوفون بالعهد ولا يظلمون.
وكيف يكون لهم عهد محترم وذمة عند اللّه وعند رسوله ؟ والحال أنهم إن يظهروا عليكم ، ويظفروا بكم ، لا يراعون في شأنكم قرابة ولا صلة ، ولا يراقبون فيكم عهدا ولا ذمة ، وهم يرضونكم بألسنتهم ، وقلوبهم قد ملئت حسدا وحقدا ، وتأبى قلوبهم أن تكون معكم أبدا ، ولا غرابة في ذلك فأكثرهم فاسقون وخارجون عن حدود الدين والمروءة ، فالوفاء بالعهد للذين يخافون اللّه أو حساب الضمير ، وهم قد اشتروا بدل الآيات الإلهية الداعية للمثل العليا الكريمة ثمنا قليلا تافها وشيئا حقيرا ، وهو اتباع الأهواء ، والخضوع للشيطان ، ولذا تراهم صدوا عن سبيل اللّه ودينه الحق ، وبذلوا في سبيل اللّه كل مرتخص وغال ، إنهم ساء ما كانوا يعملون ، وبئس العمل عملهم!! وهم لا يرقبون في شأن مؤمن - أيا كان - عهدا ولا ذمة على الإطلاق في أى وقت أو زمان ، وأولئك هم المعتدون المتجاوزون الغاية القصوى في الظلم والشر.
هؤلاء الذين وصفوا بهذا الوصف ، كيف يكون لهم عهد عند اللّه وعند رسوله ؟ ! وكيف يثبت هؤلاء على عهدهم ، فهم يخضعون للقوة ، ويوفون للسيف لا للذمة ، وقد ثبت أنهم كذلك في الواقع.
وهذا بيان لحال الكفار بعد ما ثبتت عداوتهم للإسلام ، فهم بين أمرين: أحدهما التوبة الصادقة والرجوع إلى اللّه - سبحانه وتعالى - والبعد عن الشرك والصد عن سبيل اللّه ، فإن تابوا بهذا المعنى ، وآمنوا وعملوا بإخلاص خصوصا إقامة الصلاة التي هي عماد الدين ، وإيتاء الزكاة الدالة على صدق التوبة ، وصفاء النفس وقوة العقيدة ، إن فعلوا ذلك فهم إخوانكم في الدين لهم ما لكم ، وعليهم ما عليكم ، وفي هذا التعبير الكريم التعبير بالأخوة ، إشارة إلى مقام الأخوة في الدين وأنها أعلى نسبا ، وأقوم صلة بين المسلم والمسلم ، وبهذه الأخوة تهدم صروح العداوة ، ويزول كل فارق بينكم.