أَسُكَّانَ نَعْمَانِ الأَرَاكِ تَيَقَّنُوا بأنَّكمْ في ربعِ قلبيَ سكَّانُ
وقد يُنزَّلُ القريبُ منزلةَ البعيدِ - فينادَى بغيرِ «الهمزةِ، وأي» لأمور منها:
«أ» - إشارةً إلى عُلُوّ مرتبتهِ، فيجعلُ بعدُ المنزلة ِكأنه بُعدِ في المكانِ كقوله: « أيا مولايَ» وأنتَ معه للدلالةِ على أنَّ المنادَى عظيمُ القدر، رفيعُ الشأن.
«ب» - أو إشارةً إلى انحطاطِ منزلتهِ ودرجتهِ - كقولك: « أ يا هذا» لمنْ هو معكَ.
«جـ» - أو إشارةً إلى أنّ السامعَ لغفلتهِ وشُرود ذهنهِ كأنّهُ غيرُ حاضرٍ كقولك للساهي: « أيا فلانُ » ، وكقولِ البارودي (1) :
يا أيُّها السَّادرُ المزْوَرُّ منْ صَلفٍ مَهْلًا، فإنك بالأيام مُنْخَدعُ
وقد تخرجُ ألفاظُ الندَاء عن معناها الأصليِّ إلى معانٍ أخرى، تُفهَمُ من السِّياق بمعونةِ القرائنِ، ومن أهمِّ ذلكَ:
(1) - الإغراءُ - نحو قولكَ لمن أقبل يتظَّلمُ: يا مظلومُ.
(2) - الاستغاثةُ - نحو: ياللهِ للمُؤْمنينَ.
(3) - الندبةُ - نحو قول الشاعر (2) :
فواعجبًا كم يدَّعي الفضلَ ناقصٌ وَوَا أسفًا كم يظهرُ النقصَ فاضلُ
(4) -التّعجبُ - كقول الشاعر (3) :
يا لكِ من قُبَّرةٍ بمعمرِ ... خَلا لكِ الجوُّ فبيضي واصْفُري
(5) -الزجرُ - كقول الشاعر (4) :
يا قلبُ ويْحكَ ما سمعتَ لنَاصِحٍ …لَمَّا ارْتَميْتَ ولا اتقَيْتَ ملامًا
(6) -التحسُّر والتَّوجُّع - كقوله تعالى ( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا) [النبأ/40] وقوله تعالى: {..يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} (56) سورة الزمر
وكقول الشاعرِ (5) :
أيا قبرَ مَعن كيف واريت جودَهُ وقد كانَ منه البرُّ وَالبحر مُترعًا
(7) -التَّذكرُ كقول ذي الرِّمة (6) :
أَمَنْزِلَتَيْ مَيٍّ سلامٌ عليكما هلِ الأَزْمُنُ اللاَّئي مَضَيْنَ رَواجِعُ ؟!
(8) -التحيرُّ والتضجُّر - نحو قول الشاعر (7) :
أيا مَنازلَ سلمَى أينَ سلماكِ؟ منْ أجلِ هذا بكيناها بكيناكِ
ويكثر هذا في نداء الأطلال والمطايا: ونحوها
(9) -الاختصاصُ- هو ذكرُ اسمٍ ظاهرٍ بعد ضميرٍ لأجلِ بيانهِ، نحو قوله تعالى: « رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود/73] » ، ونحو قوله صلى الله عليه وسلم لا: « إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُعَجِّلَ الإِفْطَارَ» (8)
وهو يأتي:
«أ» - إمَّا للتَّفاخرِ - نحو: أنا أكرمُ الضيفَ أيها الرجلُ.
«ب» - وإما للتَّواضُعِ - نحو: أنا الفقيرُ المسكين ُ أيّها الرجلُ ، ونحو: اللهم اغفر لنا أيَّتُها العصابَةَ
الأسئلةُ:
عرفِ النداء وهاتِ مثالا عليه
حروف النداءِ ثمانيةٌ هات خمسًا منها مع ذكر مثال لكل منها
قد يخرج النداءُ عن معناه الحقيقيِّ لأغراضٍ بلاغيةٍ أخرى، هاتِ خمسةً منها قد خرجت عن معناها الحقيقي مع التمثيل
الفصلُ الأول - الذِّكرُ
*-ذكرُ المسنَدِ إليه (10) :
الأصلُ ذكرُ المسنَدِ إليه، لتوقُّفِ فهمِ الكلام ِعليه، لكنهُ قدْ يجوزُ حذفُه لوجودِ قرينةٍ تدلُّ عليه، وحينئذ فالراجحُ ذكرهُ لأمورٍ:
1-زيادةُ التقريرِ والإيضاحِ، كقوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [البقرة/5] فإنَّ ذكرَ (أولئك) لزيادة الإيضاحِ.
2-التلذّذُ بذكرِ المحبوبِ، كقوله: (حبيبتي هيَ بدرٌ، حبيبتي هيَ شمسٌ...) .
3 -بسطُ الكلامِ حيثُ الإصغاءُ مطلوبٌ، كقوله تعالى: (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ) [طه/18] .
*-ذكرُ المسنَدِ:
1-كونُه الأصليُّ ولا داعيَ للعدولِ عنه، قال تعالى: {.. آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} (59) سورة النمل
2 -إذا ضعفَ الاعتمادُ على القرينةِ ، كقوله: (خير مال المرء ما أنفقه...) .
3 -الردُّ على المخاطَبِ، فيكونُ الذكرُ أحسنَ، قال تعالى حكايةً عن منكرِ البعثِ: (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس/78] ؟!
(1) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 29 / ص 96)
(2) - معجم الأدباء - (ج 2 / ص 270) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 5)
(3) - فصل المقال في شرح كتاب الأمثال - (ج 1 / ص 364) وزهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 295) وأدب الكتاب لابن قتيبة - (ج 1 / ص 78) وشرح أدب الكاتب - (ج 1 / ص 106) وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال - (ج 1 / ص 364) وحياة الحيوان الكبرى - (ج 2 / ص 97) والعقد الفريد - (ج 1 / ص 475) والحيوان - (ج 1 / ص 443) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 66 / ص 371) وتاج العروس - (ج 1 / ص 3565) ولسان العرب - (ج 4 / ص 601)
المعمر: المنزل الواسع في جهة الماء والكلأ الذي يقام فيه.
(4) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 5) والبلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 14)
(5) - خزانة الأدب - (ج 2 / ص 260) والأغاني - (ج 4 / ص 259)
(6) - طبقات فحول الشعراء - (ج 1 / ص 72) والكامل في اللغة والادب - (ج 1 / ص 17) والأغاني - (ج 2 / ص 52) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 23 / ص 274) وتاج العروس - (ج 1 / ص 7547)
(7) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 1 / ص 25)
(8) - المعجم الكبير للطبراني برقم ( 10693 ) وهو صحيح
(9) - لسان العرب - (ج 3 / ص 220) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 9) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 133) وكتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 137)
(10) - علم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 2) .