أ - أعلاها وأبلغُها: ما حذفَ فيها الوجهُ والأداةُ، نحو: عليٌّ أسدٌ، وذلك أنكَ ادعيتَ الاتحادَ بينهما بحذف الأداةِ، وادعيتَ التشابهَ بينهما في كلِّ شيءٍ بحذفِ الوجهِ، ولذا سميَ هذا تشبيهًا بليغًا.
ب - المتوسطةُ: ما تحذفُ فيها الأداةُ وحدها، كما تقولٌ:خالدٌ أسدٌ شجاعةً ، أو يحذف فيها وجهُ الشبهِ،فتقولُ: خالدٌ كالأسدِ،وبيانُ ذلك أنكَ بذكركِ الوجهَ حصرتَ التشابهَ،فلم تدعْ للخيالِ مجالًا في الظنِّ بأن التشابهَ في كثيرٍ من الصفاتِ، كما أنك بذكرِ الأداةِ نصصتَ على وجودِ التفاوتِ بين المشبِّهِ والمشبِّهِ به، ولم تتركْ بابًا للمبالغةِ.
جـ- أقلُّها: ما ذكرَ فيها الوجهُ والأداةُ، وحينئذ فقدتِ المزيتينِ السابقتينِ .نحو: خالدٌ كالأسدِ في الشجاعةِ
الثاني- قد يكونُ الغرضُ من التشبيهِ حسنًا جميلًا، وذلك هو النمطُ الذي تسمو إليه نفوسُ البلغاءِ، وقد أتوا فيه بكلِّ حسنٍ بديعٍ، كقول ابن نباتةَ في وصفِ فرسِ أغرَّ محجَّلٍ (1) :
وكأَنَّما لطَمَ الصَّباحُ جبينَهُ ... فاقْتَصَّ منهُ فخاضَ في أَحشائِهِ
وقد لا يوفَّقُ المتكلِّمُ إلى وجهِ الشَّبهِ، أو يصلُ إليه مع بعدٍ، وما أخلقَ مثل هذا النوعَ بالاستكراهِ وأحقَّه بالذمِّ،لما فيه من القبحِ والشناعةِ، بحيثُ ينفرُ منه الطبعُ السليمُ.
*- الغرضُ من التشبيهِ والفائدةُ منه: هي الإيضاحُ والبيانُ في التشبيهِ غير المقلوبِ ، ويرجعُ ذلك الغرضُ إلى المُشبَّهِ والمشبَّهِ به
أولًا- ما يعودُ على المشبَّهِ من أغراضٍ:
تهويلُ المشبَّهِ وجعله مهاباَ، إذا كان المشبَّهُ به أخوفَ عندَ الناس كقول عنترةَ (2) :
وأنا المنيَّةُ حينَ تشتجرُ القنا ... والطّعنُ منِّي سابقُ الآجالِ
بيانُ حالهِ إذا كان المشبَّهُ به معلومًا عند السامعِ بتلك الصفةِ التي يقصَدُ اشتراكُ الطرفين فيها، كما في قول النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: « إِنَّهُمَا مِنَ الدِّينِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ» (3) ، وكقوله النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-: « إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لأَهْلِ الإِيمَانِ كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِى الرَّأْسِ » (4) .
أو حينما يكونُ المشبَّهُ مبهمًا غيرَ معروفِ الصفةِ، الّتي يراد إثباتُها له قبلَ التشبيهِ، فيفيدُه التشبيهُ الوصفُ، ويوضحُه المشبَّهُ به، نحو: شجرُ النارنجِ كشجرِ البرتقالِ ، ومثلُ قول الشاعر (5) :
إذا قامتْ لحاجتُها تَثَنَّتْ ... كأنّ عِظامَها منْ خَيزرانِ
شبهَ عظامَها بالخيزرانِ بيانًا لما فيها من اللينِ .
بيانُ مقدار حالِ المشبَّهِ في القوةِ والضعفِ والزيادةِ والنقصانِ، وذلك إذا كانَ المشبَّهُ معلومًا معروفَ الصفةِ الّتي يرادُ إثباتُها له معرفةً إجماليةً قبلِ التشبيهِ ، بحيثُ يرادُ من ذلك التشبيهِ بيانُ مقدار نصيبِ المشبَّهِ من هذه الصفةِ، وذلك بأنْ يعمدَ المتكلِّمُ لأنْ يبينَ للسامعِ ما يعنيهِ من هذا المقدارِ ،كقوله تعالى: { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } [البقرة/74] ، ومثل قول الأعشى (6) :
كأَنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ... مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وكتشبيهِ الماءِ بالثلجِ في شدةِ البرودةِ.
تقريرُ حالهِ وتقويةُ شأنِها، و تمكينُه في ذهن السامعِ، بإبرازِها فيما هي فيه أظهرُ ، كما إذا كان ما أسنِدَ إلى المشبَّهِ يحتاجُ إلى التثبيتِ والإيضاحِ، فتأتي بمشبَّهٍ به حسيٍّ قريبِ التصوُّرِ، يزيدُ معنى المشبِّهِ إيضاحًا لما في المشبَّهِ به من قوةِ الظهورِ والتمامِ ،كقوله تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً [النور/39] } ، ومثل: ( العِلمُ في الصِّغَرِ كالنَّقشِ في الحجَرِ )
ومثلُ قول الشاعر (7) :
إِنّ القُلوبَ إذا تنافر ودُّها شِبْهُ الزُجَاجَة ِ كسْرُها لا يُشْعَبُ
شبَّه تنافرَ القلوبِ بكسرِ الزجاجةِ، تثبيتًا لتعذرِ عودةِ القلوبِ إلى ما كانتْ عليه من الأنسِ والمودَّةِ.
(1) - محاضرات الأدباء - (ج 2 / ص 109) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 3 / ص 78) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 268)
(2) - منتهى الطلب من أشعار العرب - (ج 1 / ص 48) ولباب الآداب لأسامة بن منقذ - (ج 1 / ص 55)
(3) - المعجم الأوسط للطبراني برقم (5513) ومجمع الزوائد برقم (14354) ومعجم ابن الأعرابي - (ج 1 / ص 343) برقم (342 ) وهو حسن لغيره
(4) - مسند أحمد برقم (23580) وهو حسن لغيره
(5) - زهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 7) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 457) والكشكول - (ج 1 / ص 120) والعقد الفريد - (ج 2 / ص 339)
(6) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 48) ولباب الآداب لأسامة بن منقذ - (ج 1 / ص 104) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 144) والجليس الصالح والأنيس الناصح - (ج 1 / ص 331) وجمهرة أشعار العرب - (ج 1 / ص 3) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 444) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 155) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 16 / ص 251)
(7) - تراجم شعراء موقع أدب - (ج 13 / ص 32)