فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 101

بيانُ إمكانِ المشبَّهِ ، وذلك حينَ يسنَدُ إليه أمرٌ مستغرب ٌ لا تزولُ غرابتُه إلا بذكر شبيهٍ له، معروفٍ واضحِ مسلَّمٍ به، ليثبتَ في ذهنِ السامعِ ويقررَ ، كقول المتنبي (1) :

فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأَنْتَ مِنهُم ... فإنَّ المسكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ

يقولُ: إنْ فضلتَ الناسَ وأنتَ من جملتِهم فقدْ يفضلُ بعضُ الشيء جملتَه ،كالمسكِ وهو بعضُ دمِ الغزالِ ، وقد فضلهُ فضلًا كثيرًا، أرادَ أنهُ فاقَ الأنامَ في الأوصافِ الفاضلة ِإلى حدٍّ بطلَ معه أن يكونَ واحدًا منهم، بل صارَ نوعًا آخرَ برأسهِ أشرفَ من الإنسانِ .

مدحهُ وتحسينُ حالهِ، ترغيبًا فيه، أو تعظيمًا له، بتصويرهِ بصورةٍ تهيِّجُ في النفسِ قوى الاستحسانِ، بأنْ يعمدَ المتكلِّمُ إلى ذكر مشبَّهِ بهِ مُعجبٍ، قد استقرَّ في النفسِ حُسنُه و حبٌّه فيصوِّرُ المشبَّهَ بصُورتِه ، كقول الشاعر (2) :

رُبّ سوْداءَ وهيَ بيضاءُ معنى ... نافَسَ المِسك في اسمِها الكافورُ

مثلُ حبِّ العُيون يَحْسبهُ النّا ... سُ سوادًا وإنما هوَ نورُ

ونحو قول النابغة (3) :

فإِنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ ... إِذا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهنَّ كَوْكَبُ

تشويهُ المشبَّهِ وتقبيحُه، تنفيرًا منه أو تحقيرًا له، بأنْ تصوِّرَه بصورةٍ تمجُّها النفسُ، ويشمئزُّ منها الطبعُ ، كقول الشاعر (4) :

لها جِسم بُرْغوث وساقا بَعُوضةٍ ... ووَجْهٌ كَوَجْه القِرْد أو هو أقْبَحُ

و كقول المتنبيِّ (5) :

وَإذا أشَارَ مُحَدّثًا فَكَأنّهُ قِرْدٌ يُقَهْقِهُ أوْ عَجوزٌ تَلْطِمُ

استطرافُه: أيْ عدُّهُ طريفًا حديثًا، بحيثُ يجيءُ المشبَّهُ به طريفًا، غيرَ مألوفٍ للذهن؛إما لإبرازهِ في صورة الممتنعِ عادةً، كما في تشبيهِ فَحم ٌفيه جَمْرٌ متقدٌ ببحرٍ من المسكِ موجَّهِ الذهبِ ،ونحو قول الشاعر (6) :

وكأنَّ مُحْمرَّ الشَّقي ...قِ إِذا تصَوَّبَ أو تَصَعَّدْ

أعلامُ ياقوتٍ نُشِرْ ... نَ عَلى رماح من زَبَرْجَدْ

وإمَّا لندورِ حُضورِ المشبَّهِ به في الذهنِ عند حضورِ المشبَّه، كقول ابن المعتزِّ في الهلال (7) :

أنظرْ إليه كزورقٍ منْ فضَّةٍ قدْ أثقلته حُمولةٌ من عنبرِ

ثانيًا- ما يعودُ على المشبَّهِ به من الأغراضِ:

المبالغةُ في شأنِ المشبَّهِ، كقول القائل: حجرٌ كقلبِ الظالمِ

الاهتمام بشأن المشبه به كقول عنترة:

وَلَقَد ذَكَرْتُكِ والرّمَاحُ نَواهِلٌ، ... مِنّي وبِيضُ الهندِ تَقْطُرُ من دَمي

فَوَدِدْتُ تَقبيلَ السّيُوفِ لأنّها ... لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ المُتَبَسِّمِ

المبحثُ الحادي عشر- في بلاغةِ التشبيهِ(8)

تَنشأُ بلاغةُ التشبيهِ منْ أنهُ ينتقلُ بكَ من الشيءِ نفسِه، إلى شيءٍ طريفٍ يُشبهُهُ، أو صورةٍ بارعةٍ تُمثلُه.

وكلما كانَ هذا الانتقال ُبعيدًا، قليلَ الخطورِ بالبال، أو ممتزجًا بقليلِ أو كثيرٍ من الخيالِ، كان التشبيهُ أروعَ للنفس، وأدعَى إلى إعجابها واهتزازِها.

فإذا قلتَ: فلانٌ يشبهُ فلانًا في الطولِ، أو إنَّ الأرضَ تشبهُ الكُرة َفي الشكلِ، لم يكنْ في هذه التشبيهاتِ أثرٌ للبلاغةِ، لظهورِ المشابهةِ، وعدمِ احتياجِ العثورِ عليها إلى براعةٍ، وجُهْدٍ أدبيٍّ، ولخلوّها من الخيالِ.

وهذا الضربُ من التشبيهِ يُقْصَدُ به البيانُ والإيضاحُ، وتقريبُ الشيءِ إلى الأفهامِ، وأكثرُ ما يُستعملُ في العلوم والفنونِ.

ولكنكَ تأخذُكَ رَوْعةُ التشبيهِ، حينما تسمعُ قول المعرّي يصفُ نجمًا (9) :

يُسْرعُ اللمْح في احْمِرارٍ كما تُسْـ … …ـرِعُ في اللمْح مُقْلَةُ الغضبانِ

فإنَّ تشبيهَ لمحاتِ النجمِ وتألقهِ مع احمرارِ ضوئه، بسرعةِ لمحةِ الغضبانِ من التشبيهاتِ النادرة، الّتي لا تنقادُ إلا لأديبٍ.

ومن ذلك قولُ الشاعر (10) :

(1) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 198) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 49) و لباب الآداب للثعالبي - (ج 1 / ص 60) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 53) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 114) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 279) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 39)

(2) - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 274)

(3) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 69) والمصون في الأدب - (ج 1 / ص 3) ونقد الشعر - (ج 1 / ص 13) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 156) ولباب الآداب للثعالبي - (ج 1 / ص 32) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 51) والشعر والشعراء - (ج 1 / ص 27) وخزانة الأدب - (ج 3 / ص 411) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 307)

(4) - العقد الفريد - (ج 1 / ص 441) والمستطرف في كل فن مستظرف - (ج 1 / ص 248)

(5) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 173) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 449) ومعجم الأدباء - (ج 2 / ص 395) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 114)

(6) - محاضرات الأدباء - (ج 2 / ص 82) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 3 / ص 233) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 71) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 155) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 130)

(7) - تاريخ الأدب الأندلسي (عصر سيادة قرطبة) - (ج 1 / ص 101) ومحاضرات الأدباء - (ج 2 / ص 67) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 37)

(8) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 12) و البلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 4)

(9) - سر الفصاحة - (ج 1 / ص 87) والبلاغة الواضحة بتحقيقي - (ج 1 / ص 4) - لمح البرقِ والنجمِ: لمعانهُما، ولمحُ البصرِ: اختلاسُ النظرِ

(10) - نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 277) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 71) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 152) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 132)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت