فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 101

كما تقول: (فلانٌ نظيفُ اليدِ) تكني عن العفةِ والأمانةِ ،وتعرف كنايةُ الصفة بذكر الموصوفِ: ملفوظًا أو ملحوظًا من سياق الكلام. وكما يقال (الصِّديقُ) تعني أبا بكر رضي الله عنه ، وكذلك الفاروق تعني عمر رضي الله عنه ، وأمين هذه الأمة ، تعني أبا عبيد بن الجراح رضي الله عنه ، وسيف الله المسلول ، تعني خالد بن الوليد رضي الله عنه ، وكما ورد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} (46) سورة الأحزاب ، فهذه كلها صفات للنبي صلى الله عليه وسلم

وكقول المتنبيِّ (1) :

فَمَسّاهُمْ وَبُسْطُهُمُ حَريرٌ وَصَبّحَهُمْ وَبُسْطُهُمُ تُرَابُ

2-كنايةٌ عن موصوفٍ :

كما تقولُ (الناطقينَ بالضادِ) تكني عن العربِ، و (دارُ السَّلام) تكني عن بغدادَ ، و (طيبةُ ) كنايةٌ عن المدينةِ المنورةِ ، وتعرفُ بذكر الصفةِ مباشرةً، أو ملازمة ،ومنها قولهم: (هو حارسٌ على مالهِ) كنوا به عن البخيلِ الذي يجمعُ ماله، ولا ينتفعُ به، ومنها قولهم: (هو فتىً رياضيٍّ) يكنونَ عن القوَّة - وهلمَّ جرّا ، وكقوله تعالى: { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } (13) [القمر/13] كناية عن السفينةِ ، والدسر المسامير

3-كنايةٌ عن نسبةٍ:

الكنايةُ التي يراد بها نسبة ُأمرٍ لآخرَ، إثباتًا أو نفيًا فيكون المكنَّى عنه نسبةً، أسنِدتْ إلى ماله اتصالٌ به - نحو قولنا عن شخص: ( العزُّ في بيتهِ ) فإن العزَّ ينسبُ للشخصِ وليس للبيت

فالقسمُ الأولُ- وهو الكنايةُ التي يطلب بها صفةً: هي ما كان المكنَّى عنه فيها صفةً ملازمةً لموصوفٍ مذكور في الكلام.و هي نوعان:

أ - كنايةٌ قريبةٌ: وهي ما يكون الانتقال فيها إلى المطلوبِ بغير واسطة بين المعنى المنتقَل عنه، والمعنى المنتقَل إليه، كقول الخنساء في رثاء صخر (2) :

طَوِيلُ النِّجادِ، رَفِيعُ العِما ... دِ سادَ عَشِيرَتَهُ أَمْرَدَا

ب - وكنايةٌ بعيدةٌ: وهي ما يكون الانتقال فيها إلى المطلوب بواسطةِ، أو بوسائطَ، نحو: فلانٌ كثيرُ الرمادِ كنايةٌ عن المضياف، و الوسائطُ: هي الانتقالُ من كثرة الرمادِ إلى كثرة الإحراقِ، ومنها إلى كثرةِ الطبخِ والخبزِ، ومنها إلى كثرةِ الضيوفِ، ومنها إلى المطلوب وهو المِضيافُ الكريمُ.

القسم الثاني- الكنايةُ التي يكون المكنَّى عنه موصوفًا بحيث يكونُ إمَّا معنى واحدًا كموطنِ الأسرارِ كنايةٌ عن القلبِ، و كما في قول الشاعر (3) :

فلما شَربناها ودَبَّ دبيبُها ... إلى مَوْضعِ الأسْرارِ قلتُ لها قفي

وإما مجموعُ معانٍ: كقولكَ: جاءني حيُّ مستوي القامةِ، عريضُ الأظفارِ ، كنايةٌ عن الإنسانِ لاختصاص مجموع هذه الأوصاف الثلاثةِ به، ومنه قول الشاعر كنايةً عن القلبِ (4) :

الضَّاربينَ بكلِّ أبيضَ مخذَمٍ ...والطاعنينَ مجامعَ الأضغانِ

ويشترط في هذه الكنايةِ: أن تكون الصفةُ أو الصفاتُ مختصةً بالموصوف، ولا تتعداهُ ليحصل الانتقالُ منها إليه.

القسم الثالثُ- الكنايةُ التي يرادُ بها نسبةَ أمرٍ لآخر، إثباتًا أو نفيًا فيكون المكنَّى عنه نسبةً، أسندتْ إلى ماله اتصالٌ به، نحو قول الشاعر (5) :

إنَّ السماحةَ والمروءةَ والنَّدى في قبةٍ ضُربتْ على ابن الحشرجِِ

فإنّ جعلَ هذه الأشياءَ الثلاثةِ في مكانه المختصِّ به يستلزم ُإثباتهُا له .

والكنايةُ المطلوبُ به نسبةٌ نوعانِ:

أ - إمَّا أن يكون ذو النسبة مذكورًا فيها، كقول الشاعر (6) :

الُيمْنُ يتبعُ ظلَّهُ والمجدُ يمشي في ركابه

ب - وإمَّا أن يكونَ ذو النسبة غيرَ مذكور فيها: كقولكَ: خيرُ الناس منْ ينفعُ الناسَ، كناية عن نفي الخيرية عمن لا ينفعُهم. وكقوله -صلى الله عليه وسلم-: « خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِى » (7) .

وتقسمُ الكنايةُِ أيضًا باعتبار الوسائط (اللوازمِ) والسياقِ: إلى أربعةِ أقسامٍ: تعريضٌ وتلويحٌ، ورمزٌ، وإيماءُ.

1 -فالتعريضُ: لغةً خلافُ التصريح.

(1) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 273) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 7 / ص 378) وصبح الأعشى - (ج 5 / ص 382) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 47 / ص 376) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 384)

أي أتاهم مساؤهم يفترشون الحرير فبيتهم وقتلهم ليلا حتى جدلوا على الأرض مقتولين مع الصباح

(2) - الحماسة البصرية - (ج 1 / ص 91) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 310) والكامل في اللغة والادب - (ج 1 / ص 314) والعقد الفريد - (ج 1 / ص 356) والأغاني - (ج 4 / ص 157) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 3 / ص 438)

(3) - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 258)

(4) - سر الفصاحة - (ج 1 / ص 81) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 44 / ص 395) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 104) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 189)

والمخذم بالذال المعجمة السيف، والأضغان: جمع ضغن، وهو الحقد.والشاهد فيه: القسم الأول من أقسام الكناية، وهو: أن يكون المطلوب بها غير صفة ولا نسبة، وتكون لمعنى واحد كما هنا، وتكون لمجموع معان، فقوله: بمجامع الأضغان معنى واحد كناية عن القلوب.

(5) - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 282) والمستطرف في كل فن مستظرف - (ج 1 / ص 168) والأغاني - (ج 3 / ص 309) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 106) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 177)

(6) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 14) وعلم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 6)

(7) - أخرجه الترمذى برقم (4269) وهو صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت