فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 101

هذا وقد تكون قرينةُ التبعية غيرَ ذلك، نحو قوله تعالى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} (52) سورة يس ،إذ القرينةُ في هذه الآية، كونُه من كلام الموتى، مع قوله: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)

و من هذه الأمثلة السابقه: يتبينُ أنه لا يُشترط أن يكون للمشبَّه حرفٌ موضوع ٌله يدلُّ عليه.

المبحثُ الثامن -في تقسيم الاستعارة المصرَّحة باعتبار الطرفين إلى عناديةٍ ووفاقيةٍ(1)

*- فالعناديةُ: هي التي لا يمكنُ اجتماعُ طرفيها في شيءٍ واحدٍ لتنافيهما كاجتماعِ النور والظلام.

*-والوفاقيةُ: هي التي يمكنُ اجتماعُ طرفيها في شيءٍ واحدٍ لعدم التنافي كاجتماع ِالنور والهُدى.

و مثالهم قوله تعالى: (أوَمَنْ كانَ ميْتًَا فأحييناهُ) [الأنعام: 122] أي ضالًا فهديناه.ففي هذه الآية استعارتانِ:الأولى: في قوله ميتًا شبَّه الضلال: بالموتِ، بجامعِ ترتب نفي الانتفاع في كلٍّ،واستعيرَ الموتُ للضلال، واشتقَّ من الموت بمعنى الضلال، مَيتًا بمعنى ضالًا، وهي عناديةٌ، لأنه لا يمكنُ اجتماعُ الموت والضلالِ في شيءٍ واحدٍ

والثانيةُ: استعارةُ الإحياءِ للهدايةِ، وهي وفاقيةٌ ، لإمكان اجتماعِ الإحياءِ والهدايةِ في الله تعالى: فهو مُحيي وهادٍ.

ثمَّ العناديةُ قد تكونُ تمليحيةً، أي المقصودُ منها التمليحُ والظرافةُ.

و قد تكونُ تهكُّميةً ، أي المقصودُ منها التهكَّمُ والاستهزاءُ، بأنْ يستعمل اللفظُ الموضوعُ لمعنى شريفٍ، على ضدِّهِ أو نقيضهِ، نحو:رأيتُ أسدًا تريدُ جبانًا، قاصدًا التمليحَ والظرافةَ، أو التهكُّم والسخريةَ: وهما اللتان

نُزِّل فيهما التضادُّ، منزلةَ التناسبِ ـ نحو قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (24) سورة الانشقاق، أي أنذرهم، فاستعيرتِ البشارةُ التي هي الخبرُ السارُّ، للإنذار الذي هو ضدَّه بإدخال الإنذار في جنسِ البشارة، على سبيل التهكُّم والاستهزاءِ.

و كقوله تعالى: {.. فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} (23) سورة الصافات

المبحثُ التاسعُ -في تقسيم الاستعارة باعتبار الجامع (2)

*-الاستعارةُ المصرَّحةُ باعتبار الجامعِ نوعان:

1 -عاميَّةٌ: وهي القريبةُ المبتذلةُ التي لا كتها الألسنُ، فلا تحتاجُ إلى بحث، ويكون الجامعُ فيها ظاهرًا نحو: رأيتُ أسدًا يرمي.في تقسيمِ الاستعارة باعتبار ما يتَّصلُ بها منَ المُلاءماتِ، وعدمِ اتصاله .

و كقول الشاعر (3) :

وأدْهمَ يَسْتَمِدُّ الليْلُ مِنْه … …وتطْلُع بَيْن عَيْنَيْهِ الثُّريا

فقد استعار الثريا لغرَّة المهر، والجامعُ بين الطرفين ظاهر، وهو البياضُ ،وقد يتصرَّف في العامية بما يخرجها إلى الغرابة.

2 -خاصيَّةٌ: وهي الغريبةُ التي يكون الجامعُ فيها غامضًا، لا يدركهُ إلاّ أصحابُ المدارك من الخواصِّ كقول كثيِّرٍ يمدح عبد العزيز بن مروان (4) :

غَمْرُ الرِّداءِ إِذَا تَبَسَّم ضاحِكًا ... غَلِقَتْ لِضَحْكَتِه رِقَابُ المالِ

غمرُ الرداء كثيرُ العطايا والمعروفِ، استعار الرِّداءَ للمعروف، لأنه يصونُ ويستر عرضَ صاحبه، كستر الرداء ما يلقى عليه، وأضاف إليه الغمر، وهو القرينةُ على عدم إرادة معنى الثوب، لأنَّ الغمرَ من صفاتِ المالِ، لا من صفاتِ الثوب.و هذه الاستعارةُ: لا يَظفرُ باقتطاف ثمارِها إلا ذَوُو الفِطَر السليمةِ والخبرةِ التامةِ.

المبحثُ العاشرُ -في تقسيم الاستعارة باعتبار ما يتَّصل بها من المُلاءمات، و عدمِ اتصالها (5)

تنقسم الاستعارةُ باعتبار ذكر ملائمِ المستعارِ منه، أو باعتبار ذكر ملائم ِالمستعار لهُ، أو باعتبار عدم اقترانها بما يلائمُ أحدهما،إلى ثلاثة أقسامٍ: مطلَقةٌ، ومرَشحةٌ، ومجرّدةٌ.

أ - فالمطلقةُ: هي التي لم تقترن بما يلائمُ المشبَّه والمشبَّه به، نحو قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ..} (27) سورة البقرة .

أو ذكرَ فيها ملائمِهما معًا، كقول زهير (6) :

لَدَى أَسَدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

استعار الأسدَ للرجل الشجاع، وقد ذكر ما يناسبُ المستعارُ له، في قوله: شاكي السلاحَ مقذَّفٍ وهو التجريدُ، ثم ذكر ما يناسبُ المستعارَ منه، في قوله: له لبدٌ أظفاره لم تقلمِ ، وهو الترشيحُ، واجتماع التجريدِ والترشيحِ يؤدَّي إلى تعارُضهِما وسقوطِهما، فكأنّ الاستعارةَ لم تقترنْ بشيءٍ وتكونُ في رتبةِ المطلقةِ.

(1) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 14)

(2) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 14) وعلم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 5)

(3) - نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 3 / ص 78) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 117) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 268)

(4) - شرح المشكل من شعر المتنبي - (ج 1 / ص 68) والمحاسن والمساوئ - (ج 1 / ص 196) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 282) وأمالي القالي - (ج 1 / ص 268) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 24 / ص 11) وتاج العروس - (ج 1 / ص 3311) ولسان العرب - (ج 5 / ص 29)

(5) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 14) وعلم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 5)

(6) - الشعر والشعراء - (ج 1 / ص 36) وجمهرة أشعار العرب - (ج 1 / ص 33) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 316) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 282) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 21 / ص 149)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت