فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 101

: قولهم: { غَيْرَ مُسْمَعٍ } حال من المخاطب ، أي اسمع وأنت غير مسمع ، وهو قول ذو وجهين ، يحتمل الذمّ أي اسمع منا مدعوا عليك بلا سمعت لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع ، فكان أصم غير مسمع . قالوا ذلك اتكالًا على أنّ قولهم لا سمعت دعوة مستجابة أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه . ومعناه غير مسمع جوابًا يوافقك ، فكأنك لم تسمع شيئًا . أو اسمع غير مسمع كلامًا ترضاه ، فسمعك عنه ناب . ويجوز على هذا أن يكون ( غير مسمع ) مفعول اسمع ، أي اسمع كلامًا غير مسمع إياك ، لأن أذنك لا تعيه نبوًّا عنه . ويحتمل المدح ، أي اسمع غير مسمع مكروهًا ، من قولك: أسمع فلان فلانًا إذا سبه . وكذلك قولهم: { راعنا } يحتمل راعنا نكلمك ، أي ارقبنا وانتظرنا . ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها ، وهي: راعينا ، فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل ، ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ } فتلا بها وتحريفًا ، أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل ، حيث يضعون ( راعنًا ) موضع ( انظرنا ) و ( غير مسمع ) موضع: لا أسمعت مكروهًا .أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقًا . فإن قلت: كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا: سمعنا وعصينا؟ قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان . ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء . ويجوز أن يقولوه فيما بينهم . ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ، ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به

*-الفرقُ بين التوريةِ والتوجيهِ(1):

ا-التوريةُ: تكونُ في لفظٍ واحدٍ.وأمَّا التوجيهُ: فيكونً في تركيبٍ

ب- التوريةُ: يقصدُ المتكلِّم بها معنًى واحدًا: هو البعيد.والتوجيهُ: لا يترجحُ فيه أحدُ المعنيينِ على الآخرَ.

المبحث السادس والعشرون- نفيُ الشيءِ بإيجابهِ (2)

*- تعريفُه: هو أنْ يثبتَ المتكلِّم شيئًا في ظاهرِ كلامهِ وينفيَ ما هو منْ سببه ِمجازًا، والمنفيُّ في باطنِ الكلامِ حقيقة ٌهو الذي أثبتهُ، نحو قوله تعالى: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (37) سورة النور .فإنَّ نفيَ إلهاءِ التجارةِ منهُم، إثباتهًا لهم، والمرادُ نفيُها أيضًا. فإذا تأملتَه وجدتَ باطنَهُ نفيًا، وظاهرَه إيجابًا

وكقول الشاعر للخليفةِ (3) :

لم يُشغَلَنْكَ عنِ الجهادِ مكاسبٌ ترجو ولا لهوٌ ولا أولادُ

فإنه يوهمُ إشغالَ المكسبِ له في الجملةِ - كما في الأولادِ - مع أنهُ لا كسبَ للخليفةِ.

و قال امرؤ القيس (4) :

علَى لاَحِبٍ لا يُهْتَدَي بِمَنَارِهِ ... إِذَا سَافَهُ الْعَوْدُ الدِّيَافِىُّ جَرْجَرَا

فقوله"لا يهتدي بمنارهِ"لم يردْ أنَّ له منارًا لا يهتدَى به، ولكنْ أرادَ أنهُ لا منارَ له فيهتدَى بذلكِ المنارِ.

وكذلك قولُ زهير (5) :

بأرضِ فَلاةٍ لا يُسَدّ وَصِيدُهَا، ... عليّ، ومَعروفي بها غيرُ مُنكَرِ (6)

فأثبتَ لها في اللفظِ وصيدًا، وإنما أرادَ ليسَ لها وصيدٌ فيسدُّ عليَّ.

المبحث السابع والعشرون - القولُ بالموجبِ (7)

*- تعريفُه: هو أن ْيحملَ كلامُ الغيرِ على خلافِ مرادهِ ، وهو نوعان:

(1) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 16)

(2) - العمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 136) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 74) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 315) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 16) وعلم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 6)

(3) - علم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 6)

(4) - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 274) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 136) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 75) وخزانة الأدب - (ج 4 / ص 6) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 315) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 10 / ص 384) وتاج العروس - (ج 1 / ص 5927) ولسان العرب - (ج 9 / ص 164) وأساس البلاغة - (ج 1 / ص 231)

وظاهر هذا الكلام يقتضي إثباتَ منارٍ لهذه الطريق، ونفي الهداية به مجازًا، وباطنه في الحقيقة يقتضي نفي المنار جملةً ،وتقديرُ المعنى أن هذه الطريقَ لو كان لها منارٌ لكان لا يهدي به، فيكفف لا منار لها، كما تقول لمن تريد أن تسلبه الخير: ما أقلَّ خيرك، فظاهر كلامِك يدلُّ على إثباتِ خيرٍ قليل، وباطنه نفيُ الخيرِ كثيرهِ وقليلهِ.

(5) - العمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 136) وجمهرة أشعار العرب - (ج 1 / ص 2) وحياة الحيوان الكبرى - (ج 2 / ص 142) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 4 / ص 290)

(6) - ( الوصيد ) النبات المتقارب الأصول وبيت كالحظيرة من الحجارة في الجبال للغنم وغيرها وفناء الدار والبيت وفي التنزيل العزيز ) وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ( وعتبة الباب( ج ) وصد ووصائد

( الوصيدة ) بيت كالحظيرة من الحجارة في الجبال للغنم وغيرها ( ج ) وصائد . المعجم الوسيط - (ج 2 / ص 996)

(7) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 5 / ص 269) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 133) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 317) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 120) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 310-312) وكتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 153-155) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 16) وعلم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 6)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت