فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 101

الثاني- ما كانَ خفيَّ الأداةِ: كقولكَ للذي يتردّدُ في الشيء بينَ أن يفعلَهُ، وألاّ يفعلَهُ (أراكَ تقدِّمُ رِجلًا وتُؤخِّرُ أخرَى) ، إذِ الأصلُ أراكَ في ترددكَ مثلَ مَنْ يقدِّم ُرجلًا مرةً، ثم يؤخّرُها مرة ًأخرى، فالأداةُ محذوفةٌ، ووجهُ الشبهِ هيئةُ الإقدامِ والإحجامِ المصحوبينِ بالشَكَِّ.

*- مواقعُ تشبيهِ التمثيلِ:

لتشبيهِ التمثيلِ موقعانِ:

(1) - أنْ يكونَ في مفتتحِ الكلامِ، فيكونُ قياسًا موضِّحًا، وبرهانا مصاحِبًا، وهو كثيرٌ جدًًّا في القرآن، نحو قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ [البقرة/261] ) .

(2) - ما يجيءُ بعد تمامِ المعاني، لإيضاحِها وتقريرِها، فيُشبهُ البرهانَ الذي تثبتُ بهِ الدَّعوى، نحو قول الشاعر لبيد (1) :

وما المالُ والأَهْلوُنَ إلاّ وَدائِعٌ ... ولا بدَّ يومًا أَنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ

ونحو قول الشاعر (2) :

لا ينزلُ المجدُ في منازلنا كالنّومِ ليسَ له مأوَى سوى المقَلُ

*- تأثيرُ تشبيهِ التمثيلِ في النفسِ:

إذا وقعَ التمثيلُ في صدر القولِ: بعثَ المعنى إلى النفسِ بوضوحٍ وجلاءٍ مؤيَّدٍ بالبرهانِ، ليقنعَ السامعَ ، وإذا أتى بعد استيفاءِ المعاني كانَ:

(1) - إمَّا دليلًا على إمكانِها، كقول المتنبي (3) :

وما أنا مِنْهُمُ بالعَيشِ فيهم ولكنْ مَعدِنُ الذّهَبِ الرَّغامُ

لما ادَّعى أنه ليس منهم مع إقامتِه بينهم، وكان ذلك يكادُ يكونُ مستحيلًا في مجرى العادةِ، ضربَ لذلك المثلَ بالذهبِ، فإنَّ مقامَه في الترابِ، وهو أشرفُ منهُ .

(2) - وإمَّا تأييدًا للمعنَى الثابتِ، نحو قول أبي العتاهية (4) :

تَرجو النجاةَ ولم تَسْلُكْ مَسالكهَا ... إنَّ السفينةََ لا تَجْري عَلَى اليَبَس

وعلةُ هذا: أنَّ النفسَ تأنسُ إذا أخرجتَها من خفيٍّ إلى جليٍّ، ومما تجهلُه إلى ما هيَ به أعلمُ

ولذا تجدُ النفسُ منَ الأريحيةِ ما لا تقدُر قدرهُ، إذا سمعتْ قول أبي تمام (5) :

وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلِقٌ لدِيباجَتَيهِ فاغتَرِبْ تَتَجَدَّدِ

فإنّي رَأيتُ الشّمسَ زيدتْ مَحَبَّةً ... إلى النّاسِ أنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِسَرْمَدِ

وبعدُ:

فالتمثيلُ يكسبُ القولَ قوةً، فإنْ كان في المدح كانَ أهزَّ للعطفِ، وأنبلَ في النفسَ ، وإنْ كان في الذمِّ كان وقعُه أشدَّ، وإنْ كان وعظًا كان أشفَى للصدرِ، وأبلغَ في التنبيهِ والزجرِ، وإنْ كان افتخارًا كان شأوهُ أبعدَ، كقول مَنْ وصفَ كأسًا علاها الحبابُ (6) :

وكأنها وكأنَّ حاملَ كأسِها إذ قام يجلوها على الندماءِ

شمسُ الضُّحى رقصتْ فنقَّطَ وجهُها بدرُ الدُّجى بكواكبِ الجوزاءِ

المبحثُ السادس - في أدوات التشبيه (7)

*-أدواتُ التشبيهِ: هي ألفاظٌ تدلُّ على المماثلةِ وهي مؤلفة من حرفِ واسمِ وفعلِ:

الحرفُ وهو الكافُ وكأنَّ

الاسمُ كمثلِ ومثيلِ وشبهِ وشبيهِ وغيرهِما

الفعلُ ك يحكي، ويضاهي ،ويضارع، ويماثل ،ويساوي، ويشابه، وكذا أسماءُ فاعلها.

وهي إمَّا ملفوظةٌ، وإمَّا ملحوظةٌ، نحو جمالُه كالبدرِ، وأخلاقُه في الرقةِ كالنَّسيمِ، ونحو اندفعَ الجيشُ اندفاعَ السيلِ، أي كاندفاعِه.

الأصلُ في الكافِ، ومثلُ، وشبهُ، من الأسماءِ المضافة لما بعدها أن يليها المشبَّهُ به لفظًا أو تقديرًا،نحو قوله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} (23) سورة الواقعة، ونحو قوله تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } (24) سورة الرحمن ،وكقول الشاعر (8) :

فَالوَجهُ مثل الصُبحِ مبيضٌ والفَرعُ مِثلَ اللَيلِ مُسوَدُّ

ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ

(1) - تاريخ النقد الأدبي عند العرب - (ج 1 / ص 326) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 58) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 121) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 484) والشعر والشعراء - (ج 1 / ص 53) ولسان العرب - (ج 4 / ص 601) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 70)

(2) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 11)

(3) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 304) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 104)

(4) - روضة العقلاء و نزهة الفضلاء - (ج 1 / ص 107) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 343) والعقد الفريد - (ج 1 / ص 298)

(5) - روضة العقلاء و نزهة الفضلاء - (ج 1 / ص 40) والواضح في مشكلات شعر المتنبي - (ج 1 / ص 14) وزهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 91) ورسائل الثعالبي - (ج 1 / ص 38) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 344) والمحاسن والمساوئ - (ج 1 / ص 132) والبيان والتبيين - (ج 1 / ص 176)

(6) - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 140) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 425)

قلت: ذكر هذا للتمثيل على المعنى المراد ، وإلا فبعضُ الشعر يمدح المنكرات كهذين البيتين اللذين يصفان مجلسا من مجالس الخمر والعياذ بالله ، وهذا من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة والبداهة

(7) - علم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 5) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 11) وجامع الدروس العربية للغلايينى - (ج 1 / ص 170) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 20)

(8) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 101) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 122) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 22) وصبح الأعشى - (ج 1 / ص 374) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 62 / ص 210)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت