وقد يكونُ الاختلافُ في الحركة ِفقطْ، كالبُرد، والبَرد في قولهم جُبَّة ُالبُردِ جَنَّة ُالبَردِ، وعليه يحملُ قوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) } [الصافات/72-74]
وقد يكونُ في الحركةِ والسُّكونِ ،كقولهم: « البدعةُ شَرَكُ الشِّركِ » ، وقول أبي العلاء المعري (1) :
فالحسْنُ يظهرُ في شيئينِ رونقُهُ ... بيتٍ مِنَ الشِّعْر أو بيتٍ مِنَ الشَّعَرِ
والجناسُ التامُّ: مما لا يتفقُ للبليغِ إلا على ندورٍ وقلةٍ، فهو لا يقعُ موقعَهُ منَ الحسنِ حتى يكونَ المعنَى هو الذي استدعاهُ وساقَهُ، وحتى تكونَ كلمتُه مما لا يبتغي الكاتبُ منها بدلًا، ولا يجدُ منها حِولًا.
2-الجناسُ المستوفي: هو ما كانَ ركناه ُمن نوعين مختلفينِ من أنواع الكلمةِ بأنْ يكون أحدُهما اسمًا والآخرُ فعلًا ، أو بأنْ يكونَ أحدُهما حرفًا والآخرُ اسمًا أو فعلًا .
مثالٌ بين الاسمِ والفعلِ نحو: « ارعَ الجارَ ولو جارَ » فالجارُ الأولُ اسم ، والجارُ الثاني فعل ٌ .
و مثالٌ بين الفعلِ والاسمِ كقول أبي تمام (2) :
ما ماتَ من كرم الزَّمان فإنَّه يحيا لدى يحيى بن عبد الله
فيحيا الأولُ فعلٌ مضارعٌ، ويحيى الثاني اسمُ الممدوحِ .
ونحو قول الشاعر (3) :
إنْ تُلقكَ الغُرْبةُ في معشرٍ قدْ أجمعوا فيكَ على بُغضهمْ
فدارِهمْ ما دُمتَ في دارِهمْ ... وأرْضِهمْ ما دُمتَ في أرضِهمْ
فدارهمُ الأولى فعلُ أمرٍ من المدارة ِ، ودارهمُ الثانيةِ اسمٌ للبيتِ، وأرضهمُ الأولى فعلُ أمرٍ من الإرضاءِ ، وأرضهمُ الثانية ِهيَ الأرضُ اسمٌ .
3 -جناسُ التركيبِ (4) : هو ما كانَ أحد ُركنيهِ كلمةً واحدةً والأخرَى مركبةً من كلمتينِ، كقول الشاعر:
يا سيدًا حازَ رُقىً بما حباني وأولَى
أحسنتَ بِرًّا فقلْ ليْ أحسنتُ في الشكرِ أوْ لا ؟
فالجناس ُبين أولى وهيِ كلمةٌ مفردةٌ بمعنى منحَ وأعطَى ، وبين أولا وهيَ كلمة ٌمركبةٌ من ْأو العاطفة ِولا النافيةِ .
وكقول أبي الفتح البستي (5) :
إِذا مَلِكٌ لمْ يكُنْ ذاهِبهْ ... فدَعْهُ فدَوْلتهُ ذاهِبهْ
فذا هبةٍ الأولى مركبة من كلمتين ذا خبر كان - هبة مضاف إليه ، والثانية كلمة واحدة ذاهبةٌ خبر ، ويسمَّى هذا النوع مقرونًا
وله تفصيل أخرُ:
فإنْ كانَ منْ كلمة ٍوبعضِ أخرى سُمِّيَ مَرفُوًّا مثلَ قول الحريري (6) :
ولا تلهُ عن تَذكارِ ذنبِكَ وابكِهِ ... بدمعٍ يُضاهي المُزْنَ حالَ مَصابِهِ
ومثّلْ لعينَيْكَ الحِمامَ ووقْعَهُ ... وروْعَةَ مَلْقاهُ ومطْعَمَ صابِهِ
وإنَ كانَ من كلمتين فإنِ اختلفَ الركنان خطًا سُمِّيَ مفروقًا كقول أبي الفتح (7) :
كلُّكمْ قدْ أخذَ الجا مَ ولا جامَ لَنا
ما الذي ضرَّ مُديرَ ال ... جامِ لوْ جاملَنا
ومثله قولُ الشاعر (8) :
لا تعرِضنَّ على الرُّواةِ قصيدةً ما لم تبالغْ قبلُ في تهذيبها
فمتى عرضْتَ الشِّعْرَ غيرَ مهذبٍ .. عدُّوهُ مِنكَ وساوِسًا تَهْذي بِها
ثانيا- الجناسُ غيرُ التامِّ: هو ما اختلفَ فيه اللفظانِ في واحدٍ من الأمور الأربعةِ السابقة التي يجبُ توافرها في الجناسِ التامِّ وهي: نوع ُالحروفِ، وعددُها، وهيئاتُها الحاصلةُ من الحركاتِ والسكناتِ، وترتيبُها مع اختلاف المعنَى .
فإنِ اختلفَ اللفظانِ في أنواع ِالحروف فيشترَطُ ألا يقعَ الاختلافُ بأكثر َمنْ حرفٍ واحدٍ ، وهذا الجناسُ يأتي على ضربينِ:
1-جناسٌ مضارعٌ: وهو ما كان فيه الحرفانِ اللذانِ وقعَ فيهما الاختلافُ متقاربينِ في المخرجِ، سواءٌ كانا في أولِ اللفظِ، نحو قول الحريري: « بيني وبينَ كنِّي ليلٌ دامسٌ ،وطريقٌ طامسٌ » , أو في الوسطِ، نحو قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (26) سورة الأنعام ، وقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) [القيامة/22-24]
وكقول أبي فراس (9) :
(1) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 121) وزهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 301) وغرر الخصائص الواضحة - (ج 1 / ص 103) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 68) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 347)
(2) - الوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 13) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 7) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 294) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 121) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 320)
(3) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 5) ومعجم الأدباء - (ج 2 / ص 436) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 321)
(4) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 7 / ص 79) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 121)
(5) - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 123) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 8) والكشكول - (ج 1 / ص 129) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 295) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 186) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 321)
(6) - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 120) ومقامات الحريري - (ج 1 / ص 46) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 121)
(7) - نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 295) و الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 121) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 326)
(8) - نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 295) و جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 17) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 121) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 326)
(9) - جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 17)