ولم يكن بد للإسلام أن يشدد في النهي عن هذا الخلق الذميم الوضيع، الذي يفسد القلب، كما يفسد الصحب، ويتدنى بالقائل قبل أن يفسد بين الجماعة، ويأكل قلبه وخلقه قبل أن يأكل سلامة المجتمع، ويفقد الناس الثقة بعضهم ببعض، ويجني على الأبرياء في معظم الأحايين! [1]
وكلُّ مَنْ حُمِلت إليه نميمة وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه ستة أمور: الأول: أن لا يصدقه، لأن النَّمامَ فاسقٌ، وهو مردود الخبر.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبّح فعله. قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (3) "سورة الحجرات.
الثالث: أن يبغضَه في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله تعالى، والبغضُ في الله تعالى واجب.
الرابع: أن لا يظنّ بالمنقول عنه السوء، لقول الله تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظنّ) [الحجرات:12] .
الخامس: أن لا يحملَك ما حُكي لك على التجسس والبحث عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى: (ولا تَجَسَّسُوا) [الحجرات:12] .
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمّامَ، عنه فلا يحكي نميمته.
وقد جاء أن رجلًا ذَكَرَ لعمرَ بن عبد العزيز رضي الله عنه رجلًا بشئ، فقال عمر: إن شئتَ نظرنَا في أمرك، فإن كنتَ كاذبًا فأنتَ من أهل هذه الآية: (إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبإ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات:6] وإن كنتَ صادقًا، فأنتَ من أهل هذه الآية: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنَمِيمٍ) [القلم:11] وإن شئتَ عفونا عنك، قال: العفو يا أميرَ المؤمنين لا أعودُ إليه أبدًا.
(1) - [في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود ص:4570]