وأما قول الألوسي فهاهو كاملا لنرد به عليهم [1] :
{حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ} أي أوقعتم القتل بهم بشدة وكثرة على أن ذلك مستعار من ثخن المائعات لمنعه عن الحركة، والمراد حتى إذ أكثرتم قتلهم وتمكنتم من أخذ من لم يقتل {فَشُدُّواْ الوثاق} أي فأسروهم واحفظوهم، فالشد وكذا ما بعد في حق من أسر منهم بعد اثخانهم لا للمثخن إذ هو بالمعنى السابق لا يشد ولا يمن عليه ولا يفدي لأنه قد قتل أو المعنى حتى إذا أثقلتموهم بالجراح ونحوه بحيث لا يستطيعون النهوض فأسروهم واحفظوهم؛ فالشد وكذا ما بعد في حق المثخن لأنه بهذا المعنى هو الذي لم يصل إلى حد القتل لكن ثقل عن الحركة فصار كالشيء الثخين الذي لم يسل ولم يستمر في ذهابه، والإثخان عليه مجاز أيضًا، و {الوثاق} في الأصل مصدر كالخلاص وأريد به هنا ما يوثق به. وقرىء {الوثاق} بالكسر وهو اسم لذلك، ومجيء فعال اسم آلة كالحزام والركاب نادر على خلاف القياس، وظاهر كلام البعض أن كلا من المفتوح والمكسور اسم لما يوثق به، ولعل المراد بيان المراد هنا.
{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} أي فإما تمنون منا وإما تفدون فداء، والكلام تفصيل لعاقبة مضمون ما قبله من شد الوثاق، وحذف الفعل الناصب للمصدر في مثل ذلك واجب أيضًا، ومنه قوله:
لأجهدن فاما درء واقعة ... ثخشى وإما بلوغ السؤال والأمل
وجوز أبو البقاء كون كل من {مِنَّا} و {فداء} مفعولا به لمحذوف أي أولوهم منا أو أقبلوا منهم فداء، وليس كما قال أبو حيان إعراب نحوي، وقرأ ابن كثير في رواية شبل {وَأَمَّا فدى} بالفتح والقصر كعصا. وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته، قال الشهاب: ولا عبرة به فإن فيه أربع لغات الفتح والكسر مع المد والقصر ولغة خامسة البناء مع الكسر كما حكاه الثقات انتهى، وفي الكشف نقلًا عن الصحاح الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور. ومن العرب من يكسر الهمزة أي
(1) - تفسير الألوسي رحمه الله 26/ 39 - 41 و تفسير الألوسي - (ج 19 / ص 99)