الرد على احتجاجهم بهذه الآيات القرآنية له عدة طرق، وكلها تتدافع بنفس القوة والتدليل، ولكن الغريب في هذا التيار أصوله التي يتعامل بها مع الوحيين، فالأمة قد أجمعت أن الحكم الشرعي مأخذه الكتاب والسنة، وأن هذا المصدر نزل باللغة العربية، فأصول تفسير هذا المصدر وقواعد فهمه تعود إلى قواعد وأصول هذه اللغة، وليس هناك من قواعد يحتكم إليها في ذلك سوى قواعد البيان العربي، إلا ما أحدثه أبو حامد الغزالي من إدخال قواعد علم المنطق إلى أصول الاستنباط، وقد عاب العلماء عليه، وشنعوا القول على صنيعه هذا، وكان أشدهم نكارة الإمام أبو عمرو بن الصلاح الشافعي رحمه الله تعالى، وأما قبل ذلك فإن الأمة مجمعة على تنزيل الكتاب والسنة على أصول البيان العربي، قال الإمام الشافي - رحمه الله تعالى - في كتابه العظيم"الرسالة": البيان اسم جامع لمعان متشعبة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربة الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض، ومختلفة عند من يجهل لسان العرب. ا. هـ. (1)
ثم شرع الإمام الشافعي رحمه الله في تفصيل أنواع البيان في الوحي، وقسمها إلى أقسام:
1 -ما أبانه لهم نصا ولا يحتاج لغيره.
2 -ما أحكم فرضه بكتابه (وأحكم هنا بمعنى أجمل أصله) وبينت السنة تفصيله - أي هيئته -.
3 -ما أتت به السنة وبينته ولم يأت به في الكتاب نص محكم.
4 -ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد.
ثم شرع في تفصيل هذه الأنواع واحدة واحدة، واستخلص منها أدلة الحكم الشرعي وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
وهذا القسم الرابع من أقسام البيان هو الذي تنكره الظاهرية، ومن جهلهم به حكموا أن مستويات البيان في الدلالة واحدة لا فرق بينها، أي بين ما يعلم نصا وما يعلم اجتهادا، واختلاف الناس في توسيع دائرة السنة وتقنين الشروط في الأخذ بها هي التي تفرق الناس بين أثريين وآرائيين، فكلما وضعت ضوابط أكثر على السنة كلما قل الأخذ بها، وبهذا تتسع دائرة الرأي، وكلما أكثرنا الأخذ بالسنة تقلصت دائرة الرأي، وقاعدة الشريعة تقوم على الاتباع وتقليل الرأي والاجتهاد.
نعود إلى ما سمي بقواعد البيان التي سميت بعد ذلك بأصول الفقه، كون أصول البيان وقواعده هي نفسها قواعد استنباط الحكم الشرعي، فكلما زاد الرجل معرفة في البيان وقواعده كلما ازداد معرفة بمراد الوحي، قال الإمام الشافعي: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت الشبه التي دخلت على من جهل لسانها. ا. هـ. (2) فمن جهل لغة العرب ثم فسر الوحي على أي جهة كان وبأي قواعد أخرى فقد أخطأ وإن أصاب، قال الشافعي: ومن تكلف ما جهل ولم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير