فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 169

المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه). وهذا بين لا إشكال فيه. وقيل: المعنى إني أريد ألا تبوء بإثمي وإثمك كما قال تعالى:"وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم" [النحل: 15] أي لئلا تميد بكم. وقوله تعالى:"يبين الله لكم أن تضلوا" [النساء: 176] أي لئلا تضلوا فحذف"لا".

قلت: وهذا ضعيف؛ لقوله عليه السلام: (لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل) ، فثبت بهذا أن إثم القتل حاصل؛ ولهذا قال أكثر العلماء: إن المعنى؛ ترجع بإثم قتلي وإثمك الذي عملته قبل قتلي. قال الثعلبي: هذا قول عامة أكثر المفسرين. وقيل: هو استفهام، أي أو إني أريد؟ على جهة الإنكار؛ كقوله تعالى:"وتلك نعمة"أي أو تلك نعمة؟ وهذا لأن إرادة القتل معصية. حكاه القشيري وسئل أبو الحسن بن كيسان: كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار؟ فقال: إنما وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل؛ والمعنى: لئن بسطت إلى يدك لتقتلني لأمتنع من ذلك مريدا للثواب؛ فقيل له: فكيف قال: بإثمي وإثمك؛ وأي إثم له إذا قتل؟ فقال: فيه ثلاثة أجوبة؛ أحدها: أن تبوء بإثم قتلي وإثم ذنبك الذي من أجله لم يتقبل قربانك، ويروى هذا القول عن مجاهد. والوجه الآخر: أن تبوء بإثم قتلي وإثم اعتدائك علي؛ لأنه قد يأثم بالاعتداء وإن لم يقتل. والوجه الثالث: أنه لو بسط يده إليه أثم؛ فرأى أنه إذا أمسك عن ذلك فإثمه يرجع على صاحبه. فصار هذا مثل قولك: المال به وبين زيد؛ أي المال بينهما، فالمعنى أن تبوء بإثمنا. وأصل باء رجع إلى المباءة، وهي المنزل."وباؤوا بغضب من الله" [البقرة: 61] أي رجعوا. وقد مضى في"البقرة"مستوفى. وقال الشاعر:

ألا تنتهي عنا ملوك وتبقي ... محارمنا لا يبؤ الدم بالدم

أي لا يرجع الدم بالدم في القود."فتكون من أصحاب النار"دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. وقد استدل بقول هابيل لأخيه قابيل:"فتكون من أصحاب النار"على أنه كان كافرا؛ لأن لفظ أصحاب النار إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن. وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية. ومعنى"من أصحاب النار"مدة كونك فيها. والله أعلم.

الآية: 30 {فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين}

قوله تعالى:"فطوعت له نفسه". أي سولت وسهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل له يقال: طاع الشيء أي سهل وانقاد. وطوعه فلان له أي سهله. قال الهروي: طوعت وأطاعت واحد؛ يقال: طاع له كذا إذا أتاه طوعا. وقيل: طاوعته نفسه في قتل أخيه؛ فنزع الخافض فانتصب. وروي أنه جهل كيف يقتله فجاء إبليس بطائر - أو حيوان غيره - فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل؛ قال ابن جريج ومجاهد وغيرهما. وقال ابن عباس وابن مسعود: وجده نائما فشد رأسه بحجر وكان ذلك في ثور - جبل بمكة - قال ابن عباس. وقيل: عند عقبة حراء؛ حكاه محمد بن جرير الطبري. وقال جعفر الصادق: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم. وكان لهابيل يوم قتله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت