قابيل عشرون سنة. ويقال: إن قابيل كان يعرف القتل بطبعه؛ لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية لحكن إتلافها؛ فأخذ حجرا فقتله بأرض الهند. والله أعلم. ولما قتله ندم فقعد يبكي عند رأسه إذ أقبل غرابان فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه؛ ففعل القاتل بأخيه كذا. والسوءة يراد بها العورة، وقيل: يراد بها جيفة المقتول؛ ثم إنه هرب إلى أرض عدن من اليمن، فأتاه إبليس وقال: إنما أكلت النار قربان أخيك لأنه كان يعبد النار، فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من عبد النار فيما قيل. والله أعلم. وروي عن ابن عباس أنه لما قتله وآدم بمكة اشتاك الشجر، وتغيرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، وملحت المياه، واغبرت الأرض؛ فقال آدم عليه السلام: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل. وقيل: إن قابيل هو الذي انصرف إلى آدم، فلما وصل إليه قال له: أين هابيل؟ فقال: لا أدري كأنك وكلتني بحفظه. فقال له آدم: أفعلتها؟! والله إن دمه لينادي، اللهم العن أرضا شربت دم هابيل. فروي أنه من حينئذ ما شربت أرض دما. ثم إن آدم بقي مائة سنة لم يضحك، حتى جاءه ملك فقال له: حياك الله يا آدم وبياك. فقال: ما بياك؟ قال: أضحكك؛ قال مجاهد وسالم بن أبي الجعد. ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة - وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له شيثا، وتفسيره هبة الله، أي خلفا من هابيل. وقال مقاتل: كان قبل قتل قابيل هابيل السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل هربوا، فلحقت الطيور بالهواء، والوحوش بالبرية، ولحقت السباع بالغياض. وروي أن آدم لما تغيرت الحال قال:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغير قبيح
تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح
في أبيات كثيرة ذكرها الثعلبي وغيره. قال ابن عطية: هكذا هو الشعر بنصب"بشاشة"وكف التنوين. قال القشيري وغيره قال ابن عباس: ما قال آدم الشعر، وإن محمدا والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء؛ لكن لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، فهي مرثية بلسان السريانية أوصى بها إلى ابنه شيث وقال: إنك وصيي فاحفظ مني هذا الكلام ليتوارث؛ فحفظت منه إلى زمان يعرب بن قحطان، فترجم عنه يعرب بالعربية وجعله شعرا.
روي من حديث أنس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال: (يوم الدم فيه حاضت حواء وفيه قتل ابن آدم أخاه) . وثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل) . وهذا نص على التعليل؛ وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفل من معصية كل من عصى بالسجود؛ لأنه أول من عصى به، وكذلك كل من أحدث في دين الله ما لا يجوز من البدع والأهواء؛ قال صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) . وهذا نص في الخبر والشر. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة