فهرس الكتاب
فإن كان بعض نواب السلطان أو رؤساء القري ونحوهم يأمرون الحرامية بالأخذ في الباطن أو الظاهر، حتى إذا أخذوا شيئا قاسمهم ودافع عنهم، وأرضي المأخوذين ببعض أموالهم، أو لم يرضهم، فهذا أعظم جرمًا من مقدم الحرامية؛ لأن ذلك يمكن دفعه بدون ما يندفع به هذا. والواجب أن يقال فيه ما يقال في الردء والعون لهم. فإن قتلوا، قتل هو على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وأكثر أهل / العلم. وإن أخذوا المال، قطعت يده ورجله، وإن قتلوا وأخذوا المال، قتل وصلب، وعلى قول طائفة من أهل العلم: يقطع ويقتل ويصلب. وقيل: يخير بين هذين، وإن كان لم يأذن لهم، لكن لما قدر عليهم قاسمهم الأموال، وعطل بعض الحقوق والحدود.
ومن آوي محاربًا أو سارقًا، أو قاتلا ونحوهم، ممن وجب عليه حد أو حق لله ـ تعالى ـ أو لآدمي، ومنعه أن يستوفي منه الواجب بلا عدوان، فهو شريكه في الجرم. وقد لعنه الله ورسوله. روي مسلم في صحيحه، عن على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول لله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من أحدث حدثا أو آوي محدثا) . وإذا ظفر بهذا الذي آوي المحدث، فإنه يطلب منه إحضاره، أو الإعلام به، فإن امتنع، عوقب بالحبس والضرب مرة بعد مرة حتى يمكن من ذلك المحدث، كما ذكرنا أنه يعاقب الممتنع من أداء المال الواجب. فمن وجب حضوره من النفوس والأموال يعاقب من منع حضورها.
ولو كان رجلا يعرف مكان المال المطلوب بحق، أو الرجل المطلوب بحق، وهو الذي يمنعه، فإنه يجب عليه الإعلام به والدلالة عليه. ولا يجوز كتمانه، فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوي، وذلك واجب، بخلاف ما لو كان النفس أو المال مطلوبا بباطل، فإنه لا يحل الإعلام به؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، بل يجب الدفع عنه؛ لأن /نصر المظلوم واجب، ففي الصحيحين، عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) . قلت: يا رسول الله، أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: (تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه) .
وروي مسلم نحوه عن جابر، وفي الصحيحين عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، وإجابة الدعوة، ونصر المظلوم [وإفشاء السلام] ، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب بالفضة، وعن المياثر، وعن لبس الحرير، والقسي، والديباج، والإستبرق. فإن امتنع هذا العالم به من الإعلام بمكانه، جازت عقوبته بالحبس وغيره، حتى يخبر به؛ لأنه امتنع من حق واجب عليه، لا تدخله النيابة. فعوقب كما تقدم، ولا تجوز عقوبته على ذلك، إلا إذا عرف أنه عالم به.
وهذا مطرد في ما تتولاه الولاة والقضاة وغيرهم، في كل من امتنع من واجب، من قول أو فعل، وليس هذا بمطالبة للرجل بحق وجب على غيره، ولا عقوبة على جناية غيره، حتى يدخل في قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَي} [الأنعام: 164] ، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يجني جان إلا على نفسه) . وإنما ذلك مثل أن يطلب بمال قد /وجب على غيره، وهو ليس وكيلًا ولا ضامنًا ولا له عنده مال. أو يعاقب الرجل بجريرة قريبه أو جاره، من غير أن يكون هو قد أذنب، لا بترك واجب، ولا بفعل محرم، فهذا الذي لا يحل. فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد علم مكان الظالم الذي يطلب حضوره لاستيفاء الحق، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلق به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة عليه في الكتاب والسنة والإجماع، إما محاباة أو حمية لذلك الظالم، كما قد يفعل أهل العصبية بعضهم ببعض، وإما معاداة أو بغضا للمظلوم. وقد قال الله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَي} [المائدة: 8] .
وإما إعراضا ـ عن القيام لله والقيام بالقسط الذي أوجبه الله ـ وجبنا وفشلا وخذلانا لدينه، كما يفعل التاركون لنصر الله ورسوله، ودينه وكتابه، الذين إذا قيل لهم: انفروا في سبيل الله اثاقلوا إلى الأرض.
وعلى كل تقدير، فهذا الضرب يستحق العقوبة باتفاق العلماء.