فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 169

ومن لم يسلك هذه السبل، عطل الحدود وضيع الحقوق، وأكل القوي الضعيف.

وهو يشبه من عنده مال الظالم المماطل من عين أو دين، وقد امتنع /من تسليمه لحاكم عادل، يوفي به دينه، أو يؤدي منه النفقة الواجبة عليه لأهله أو أقاربه أو ممإليكه أو بهائمه. وكثيرًا ما يجب على الرجل حق بسبب غيره، كما تجب عليه النفقة بسبب حاجة قريبة، وكما تجب الدية على عاقلة القاتل. وهذا الضرب من التعزير عقوبة لمن علم أن عنده مالا أو نفسا يجب إحضاره، وهو لا يحضره؛ كالقطاع والسراق وحماتهم، أو علم أنه خبير به وهو لا يخبر بمكانه. فأما إن امتنع من الإخبار والإحضار؛ لئلا يتعدي عليه الطالب أو يظلمه، فهذا محسن. وكثيرًا ما يشتبه أحدهما بالآخر، ويجتمع شبهة وشهوة. والواجب تمييز الحق من الباطل.

وهذا يقع كثيرًا في الرؤساء من أهل البادية والحاضرة، إذا استجار بهم مستجير، أو كان بينهما قرابة أو صداقة، فإنهم يرون الحمية الجاهلية، والعزة بالإثم، والسمعة عند الأوباش: أنهم ينصرونه ـ وإن كان ظالما مبطلا ـ على المحق المظلوم، لا سيما إن كان المظلوم رئيسا يناديهم ويناويهم، فيرون في تسليم المستجير بهم إلى من يناويهم ذلا أو عجزا، وهذا ـ على الإطلاق ـ جاهلية محضة. وهي من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا. وقد ذكر أنه إنما كان سبب كثير من حروب الأعراب، كحرب البسوس التي كانت بين بني بكر وتغلب، إلى نحو هذا، وكذلك سبب دخول الترك والمغول دار الإسلام، /واستيلاؤهم على ملوك ما وراء النهر وخراسان، كان سببه نحو هذا.

ومن أذل نفسه لله فقد أعزها، ومن بذل الحق من نفسه فقد أكرم نفسه، فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، ومن اعتز بالظلم: من منع الحق، وفعل الإثم، فقد أذل نفسه وأهانها، قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10] ، وقال ـ تعالى ـ عن المنافقين: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8] . وقال الله ـ تعالى ـ في صفة هذا الضرب: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ على مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّي سَعَي فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204: 206] .

وإنما الواجب على من استجار به مستجير ـ إن كان مظلوما ينصره. ولا يثبت أنه مظلوما بمجرد دعواه، فطالما اشتكي الرجل وهو ظالم، بل يكشف خبره من خصمه وغيره، فإن كان ظالمًا رده عن الظلم بالرفق إن أمكن، إما من صلح أو حكم بالقسط، وإلا فبالقوة.

وإن كان كل منهم ظالمًا كأهل الأهواء من قيس ويمن/ ونحوهم، وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي، أو كانا جميعا غير ظالمين، لشبهة أو تأويل، أو غلط وقع فيما بينهما، سعي بينهما بالإصلاح، أو الحكم كما قال الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الْأُخْرَي فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9، 10] . وقال تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] . وقد روي أبو داود في السنن، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أمن العصبية أن ينصر الرجل قومه في الحق؟ قال: (لا) . قال: (ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه في الباطل) . وقال: (خيركم الدافع عن قومه ما لم يأثم) . وقال: (مثل الذي ينصر قومه بالباطل كبعير تردي في بئر فهو يجر بذنبه) . وقال: (من سمعتموه يتعزي بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا) .

وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسب أو بلد، أو جنس أو مذهب، أو طريقة، فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين،/وقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت