فهرس الكتاب
الأقصى فمع استيلاء الإفرنجة على أكثر بلادهم، لا يقومون بجهاد النصارى هناك، بل في عسكرهم من النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم. لو استولى التتار على هذه البلاد لكان أهل المغرب معهم من أذل الناس، لاسيما والنصارى /تدخل مع التتار فيصيرون حزبًا على أهل المغرب.
فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التى بالشام ومصر في هذا الوقت هم كتيبة الإسلام، وعزهم عز الإسلام، وذلهم ذل الإسلام. فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز، ولا كلمة عالية، ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل عنه.
فمن قفز عنهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار؛ فإن التتار فيهم المكره وغير المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلى من وجوه متعددة. منها: أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلى. ومنها: أن المرتد يقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلى الذى ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبى حنيفة ومالك وأحمد؛ ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يقتل كما هو مذهب مالك والشافعى وأحمد. ومنها: أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلى. إلى غير ذلك من الأحكام.
وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلى عن شرائعه؛ ولهذا كان كل مؤمن يعرف أحوال التتار، ويعلم أن المرتدين الذين فيهم / من الفرس والعرب وغيرهم شر من الكفار الأصليين من الترك ونحوهم، وهم بعد أن تكلموا بالشهادتين مع تركهم لكثير من شرائع الدين خير من المرتدين من الفرس والعرب وغيرهم، وبهذا يتبين أن من كان معهم ممن كان مسلم الأصل هو شر من الترك الذين كانوا كفارًا؛ فإن المسلم الأصلى إذا ارتد عن بعض شرائعه، كان أسوأ حالًا ممن لم يدخل بعد في تلك الشرائع، مثل مانعى الزكاة وأمثالهم ممن قاتلهم الصديق. وإن كان المرتد عن بعض الشرائع متفقها أو متصوفًا أو تاجرًا أو كاتبًا أو غير ذلك، فهؤلاء شر من الترك الذين لم يدخلوا في تلك الشرائع وأصروا على الإسلام؛ ولهذا يجد المسلمون من ضرر هؤلاء على الدين ما لا يجدونه من ضرر أولئك، وينقادون للإسلام وشرائعه وطاعة الله ورسوله أعظم من انقياد هؤلاء الذين ارتدوا عن بعض الدين، ونافقوا في بعضه، وإن تظاهروا بالانتساب إلى العلم والدين.
وغاية ما يوجد من هؤلاء يكون ملحدًا، نصيريًا، أو إسماعيليًا، أو رافضيًا. وخيارهم يكون جهميًا اتحاديًا أو نحوه، فإنه لا ينضم إليهم طوعًا من المظهرين للإسلام إلا منافق أو زنديق أو فاسق فاجر. ومن أخرجوه معهم مكرهًا فإنه يبعث على نيته. ونحن علينا أن نقاتل العسكر جميعه إذ لا يتميز المكره من غيره.
وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: / (يغزو هذا البيت جيش من الناس، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم) . فقيل: يا رسول الله، إن فيهم المكره. فقال: (يبعثون على نياتهم) . والحديث مستفيض عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، أخرجه أرباب الصحيح عن عائشة، وحفصة، وأم سلمة. ففى صحيح مسلم عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم) . فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: (يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته) ، وفى الصحيحين عن عائشة قالت: عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه. فقلنا: يا رسول الله، صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله. فقال: (العجب! إن ناسًا من أمتى يؤمون هذا البيت برجل من قريش وقد لجأ إلى البيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسفت بهم) . فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد يجمع الناس. قال: (نعم، فيهم المستنصر، والمجنون، وابن السبيل، فيهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله ـ عز وجل ـ على نياتهم) ، وفى لفظ للبخارى عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم