فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 169

وآخرهم). قالت: قلت: يارسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟! قال: (يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم) ،/ وفى صحيح مسلم عن حفصة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سيعوذ بهذا البيت ـ يعنى الكعبة ـ قوم ليست لهم منعة، ولا عدد، ولا عدة، يبعث إليهم جيش يومئذ حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم) . قال يوسف بن ماهك: وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة. فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش.

فالله ـ تعالى ـ أهلك الجيش الذى أراد أن ينتهك حرماته ـ المكره فيهم وغير المكره ـ مع قدرته على التمييز بينهم، مع أنه يبعثهم على نياتهم، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره، وهم لا يعلمون ذلك؟! بل لو ادعى مدع أنه خرج مكرهًا لم ينفعه ذلك بمجرد دعواه، كما روى أن العباس بن عبد المطلب قال للنبى صلى الله عليه وسلم ـ لما أسره المسلمون يوم بدر: يا رسول الله، إنى كنت مكرهًا. فقال: (أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله) . بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضًا، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا، فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار. ولو لم نخف على المسلمين جاز رمى أولئك المسلمين ـ أيضًا ـ في أحد قولى العلماء. ومن قتل لأجل الجهاد الذى/ أمر الله به ورسوله ـ هو في الباطن مظلوم ـ كان شهيدًا، وبعث على نيته، ولم يكن قتله أعظم فسادًا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين.

وإذا كان الجهاد واجبًا وإن قتل من المسلمين ما شاء الله. فقتل من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا، بل قد أمر النبى صلى الله عليه وسلم المكره في قتال الفتنة بكسر سيفه. وليس له أن يقاتل، وإن قتل، كما في صحيح مسلم، عن أبى بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشى، والماشى فيها خير من الساعى، ألا فإذا نزلت ـ أو وقعت ـ فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه) . قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم يكن له إبل، ولا غنم، ولا أرض؟ قال: (يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة. اللهم هل بلغت. اللهم هل بلغت. اللهم هل بلغت) . فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بى إلى إحدى الصفين ـ أو إحدى الفئتين ـ فيضربنى رجل بسيفه، أو بسهمه، فيقتلنى. قال: (يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار) .

/ففى هذا الحديث أنه نهى عن القتال في الفتنة، بل أمر بما يتعذر معه القتال من الاعتزال، أو إفساد السلاح الذى يقاتل به، وقد دخل في ذلك المكره وغيره. ثم بين أن المكره إذا قتل ظلمًا كان القاتل قد باء بإثمه وإثم المقتول، كما قال ـ تعالى ـ في قصة ابنى آدم عن المظلوم: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29] ، ومعلوم أن الإنسان إذا صال صائل على نفسه جاز له الدفع بالسنة والإجماع، وإنما تنازعوا: هل يجب علىه الدفع بالقتال؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: يجب الدفع عن نفسه ولو لم يحضر الصف. والثانية: يجوز له الدفع عن نفسه. وأما الابتداء بالقتال في الفتنة فلا يجوز بلا ريب.

والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل، بل عليه إفساد سلاحه، وأن يصبر حتى يقتل مظلومًا، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام، كمانعى الزكاة والمرتدين ونحوهم؟! فلا ريب أن هذا يجب علىه إذا أكره على الحضور ألا يقاتل، وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل، فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس، /فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القود على المكِره والمكرَه جميعًا عند أكثر العلماء، كأحمد، ومالك، والشافعى في أحد قوليه، وفى الآخر يجب القود على المكره فقط، كقول أبى حنيفة ومحمد. وقيل: القود على المكره المباشر، كما روى ذلك عن زفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت