فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 169

وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود، ولم يوجبه. وقد روى مسلم في صحيحه عن النبى صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين؛ ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين. وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر.

فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضى إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التى لا تحصل إلا بذلك، ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذى لا يندفع إلا بذلك أولى. وإذا كانت السنة والإجماع متفقين على أن الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل قتل، وإن كان المال الذى يأخذه قيراطًا من دينار. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، من قتل دون حرمه فهو شهيد) ، فكيف /بقتال هؤلاء الخارجين عن شرائع الإسلام، المحاربين لله ورسوله، الذين صولهم وبغيهم أقل ما فيهم؟. فإن قتال المعتدين الصائلين ثابت بالسنة والإجماع، وهؤلاء معتدون صائلون على المسلمين في أنفسهم، وأموالهم، وحرمهم، ودينهم. وكل من هذه يبيح قتال الصائل عليها. ومن قتل دونها فهو شهيد، فكيف بمن قاتل عليها كلها، وهم من شر البغاة المتأولين الظالمين؟

لكن من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون فقد أخطأ خطأ قبيحًا، وضل ضلالًا بعيدًا، فإن أقل ما في البغاة المتأولين أن يكون لهم تأويل سائغ خرجوا به؛ ولهذا قالوا: إن الإمام يراسلهم، فإن ذكروا شبهة بينها، وإن ذكروا مظلمة أزالها. فأى شبهة لهؤلاء المحاربين لله ورسوله، الساعين في الأرض فسادًا الخارجين عن شرائع الدين؟ ولا ريب أنهم لا يقولون: إنهم أقوم بدين الإسلام علمًا وعملًا من هذه الطائفة، بل هم مع دعواهم الإسلام يعلمون أن هذه الطائفة أعلم بالإسلام منهم، وأتبع له منهم. وكل من تحت أديم السماء من مسلم وكافر يعلم ذلك، وهم مع ذلك ينذرون المسلمين بالقتال، فامتنع أن تكون لهم شبهة بينة يستحلون بها قتال المسلمين، كيف وهم قد سبوا غالب حريم الرعية الذين لم يقاتلوهم؟! حتى إن الناس قد رأوهم يعظمون البقعة ويأخذون ما فيها من الأموال، ويعظمون الرجل /ويتبركون به ويسلبونه ما عليه من الثياب، ويسبون حريمه، ويعاقبونه بأنواع العقوبات التى لا يعاقب بها إلا أظلم الناس وأفجرهم، والمتأول تأويلًا دينيًا لا يعاقب إلا من يراه عاصيًا للدين، وهم يعظمون من يعاقبونه في الدين ويقولون: إنه أطوع لله منهم. فأى تأويل بقى لهم؟! ثم لو قدر أنهم متأولون لم يكن تأويلهم سائغًا، بل تأويل الخوارج ومانعى الزكاة أوجه من تأويلهم.

أما الخوارج فإنهم ادعوا اتباع القرآن، وأن ما خالفه من السنة لا يجوز العمل به. وأما مانعو الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا: إن الله قال لنبيه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] ، وهذا خطاب لنبيه فقط، فليس علينا أن ندفعها لغيره. فلم يكونوا يدفعونها لأبى بكر، ولا يخرجونها له. والخوارج لهم علم وعبادة، وللعلماء معهم مناظرات، كمناظرتهم مع الرافضة والجهمية. وأما هؤلاء فلا يناظرون على قتال المسلمين، فلو كانوا متأولين لم يكن لهم تأويل يقوله ذو عقل.

وقد خاطبنى بعضهم بأن قال: ملكنا ملك، ابن ملك، ابن ملك، إلى سبعة أجداد، وملككم ابن مولى. فقلت له: آباء ذلك الملك كلهم كفار، ولا فخر بالكافر، بل المملوك المسلم خير من الملك الكافر، قال الله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: 221] . فهذه وأمثالها حججهم. ومعلوم أن من كان مسلمًا وجب /عليه أن يطيع المسلم ولو كان عبدًا، ولا يطيع الكافر، وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اسمعوا وأطيعوا وإن أُمِّرَ عليكم عبد حبشى، كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله ودين الإسلام) . إنما يفضل الإنسان بإيمانه وتقواه، لا بآبائه، ولو كانوا من بنى هاشم أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبدًا حبشيًا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان شريفًا قرشيًا، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت