فهرس الكتاب
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13] . وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا فضل لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب) .
وفى الصحيحين عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه: (إن آل أبى فلان ليسوا بأوليائى، إنما وليى الله وصالح المؤمنين) ، فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن موالاته ليست بالقرابة والنسب، بل بالإيمان والتقوى. فإذا كان هذا في قرابة الرسول، فكيف بقرابة جنكسخان الكافر المشرك؟! وقد أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيمانًا وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى، وإن كان الأول أسود حبشيًا، والثانى علويًا أو عباسيًا.
وَسُئِل ـ رَحِمَهُ الله ـ عن طائفة من رعية البلاد كانوا يرون مذهب النصيرية، ثم أجمعوا على رجل، واختلفت أقوالهم فيه. فمنهم من يزعم أنه إله، ومنهم من يزعم أنه نبى مرسل، ومنهم من ادعى أنه محمد بن الحسن ـ يعنون المهدى ـ وأمروا من وجده بالسجود له وأعلنوا بالكفر بذلك، وسب الصحابة، وأظهروا الخروج عن الطاعة، وعزموا على المحاربة. فهل يجب قتالهم وقتل مقاتلتهم؟ وهل تباح ذراريهم وأموالهم أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله، هؤلاء يجب قتالهم ما داموا ممتنعين حتى يلتزموا شرائع الإسلام؛ فإن النصيرية من أعظم الناس كفرًا بدون اتباعهم لمثل هذا الدجال، فكيف إذا اتبعوا مثل هذا الدجال؟! وهم مرتدون من أسوأ الناس ردة، تقتل مقاتلتهم، وتغنم أموالهم. وسبى الذرية فيه نزاع، لكن أكثر العلماء على أنه تسبى الصغار من أولاد المرتدين، وهذا هو الذى دلت عليه سيرة الصديق في قتال المرتدين. وكذلك قد تنازع العلماء في استرقاق المرتد، فطائفة تقول: إنها تسترق،/ كقول أبى حنيفة. وطائفة تقول: لا تسترق، كقول الشافعى وأحمد. والمعروف عن الصحابة هو الأول، وأنه تسترق منه المرتدات نساء المرتدين؛ فإن الحنفية التى تسرى بها على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ أم ابنه محمد بن الحنفية، من سبى بنى حنيفة المرتدين، الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ـ رضى الله عنه ـ والصحابة لما بعث خالد ابن الوليد في قتالهم.
و [النصيرية] لا يكتمون أمرهم، بل هم معروفون عند جميع المسلمين، لا يصلون الصلوات الخمس، ولا يصومون شهر رمضان، ولا يحجون البيت، ولا يؤدون الزكاة، ولا يقرون بوجوب ذلك، ويستحلون الخمر وغيرها من المحرمات، ويعتقدون أن الإله على بن أبى طالب، ويقولون:
نشهد أن لا إله إلا ** حيدرة الأنزع البطين
ولا حجاب عليه إلا ** محمد الصادق الأمين
ولا طريق إليه إلا ** سلمان ذو القوة المتين
وأما إذا لم يظهروا الرفض، وأن هذا الكذاب هو المهدى المنتظر، وامتنعوا؛ فإنهم يقاتلون ـ أيضًا ـ لكن يقاتلون كما يقاتل الخوارج المارقون، الذين قاتلهم على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ بأمر رسول الله /صلى الله عليه وسلم، وكما يقاتل المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ـ رضى الله عنه. فهؤلاء يقاتلون ما داموا ممتنعين، ولا تسبى ذراريهم، ولا تغنم أموالهم التى لم يستعينوا بها على القتال. وأما ما استعانوا به على قتال المسلمين من خيل وسلاح وغير ذلك. ففى أخذه نزاع بين العلماء. وقد روى عن على بن أبى طالب أنه نهب عسكره ما في عسكر الخوارج. فإن رأى ولى الأمر أن يستبيح ما في عسكرهم من المال كان هذا سائغًا. هذا ما داموا ممتنعين.