فهرس الكتاب
فإن قدر عليهم؛ فإنه يجب أن يفرق شملهم، وتحسم مادة شرهم، وإلزامهم شرائع الإسلام، وقتل من أصر على الردة منهم.
وأما قتل من أظهر الإسلام وأبطن كفرًا منه، وهو المنافق الذى تسميه الفقهاء [الزنديق] ، فأكثر الفقهاء على أنه يقتل وإن تاب، كما هو مذهب مالك، وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وأحد القولين في مذهب أبى حنيفة والشافعى.
ومن كان داعيًا منهم إلى الضلال لا ينكف شره إلا بقتله قتل ـ أيضًا ـ وإن أظهر التوبة، وإن لم يحكم بكفره، كأئمة الرفض الذين يضلون الناس، كما قتل المسلمون غيلان القدرى، والجعد بن درهم، وأمثالهما من الدعاة. فهذا الدجال يقتل مطلقًا. والله أعلم.
وَسُئِل الشيخ عن قوم ذوى شوكة مقيمين بأرض، وهم لا يصلون الصلوات المكتوبات، وليس عندهم مسجد، ولا أذان، ولا إقامة، وإن صلى أحدهم صلى الصلاة غير المشروعة، ولا يؤدون الزكاة مع كثرة أموالهم من المواشى والزروع، وهم يقتتلون فيقتل بعضهم بعضًا، وينهبون مال بعضهم بعضًا، ويقتلون الأطفال، وقد لا يمتنعون عن سفك الدماء وأخذ الأموال، لا في شهر رمضان ولا في الأشهر الحرم ولا غيرها، وإذا أسر بعضهم بعضًا باعوا أسراهم للإفرنج. ويبيعون رقيقهم من الذكور والإناث للإفرنج علانية، ويسوقونهم كسوق الدواب، ويتزوجون المرأة في عدتها، ولا يورثون النساء، ولا ينقادون لحاكم المسلمين، وإذا دعى أحدهم إلى الشرع قال: أنا الشرع، إلى غير ذلك. فهل يجوز قتالهم والحالة هذه؟ وكيف الطريق إلى دخولهم في الإسلام مع ما ذكر؟
فأجاب:
نعم. يجوز، بل يجب بإجماع المسلمين قتال هؤلاء وأمثالهم من كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة /المتواترة؛ مثل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس، أو عن أداء الزكاة المفروضة إلى الأصناف الثمانية التى سماها الله ـ تعالى ـ في كتابه، أو عن صيام شهر رمضان، أو الذين لا يمتنعون عن سفك دماء المسلمين وأخذ أموالهم، أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذى بعث الله به رسوله، كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ في مانعى الزكاة، وكما قاتل على بن أبى طالب وأصحاب النبى صلى الله عليه وسلم الخوارج، الذين قال فيهم النبى صلى الله عليه وسلم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة) ، وذلك بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال: 39] ، وبقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ} [البقرة: 278، 279] . والربا آخر ما حرمه الله ورسوله، فكيف بما هو أعظم تحريمًا؟!
ويدعون قبل القتال إلى التزام شرائع الإسلام، فإن التزموها استوثق منهم، ولم يكتف منهم بمجرد الكلام. كما فعل أبو بكر بمن قاتلهم بعد أن أذلهم، وقال: اختاروا؛ إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية، وقال: أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم /المخزية؟ قال: تشهدون أن