فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 169

قضي بها لخالتها، ثم إنه طيب قلب كل واحد منهم بكلمة حسنة، قال لعلى: (أنت مني وأنا منك) ، وقال لجعفر: (أشبهت خلقي وخلقي) .

وقال لزيد: (أنت أخونا ومولانا) .

فهكذا ينبغي لولي الأمر في قسمه وحكمه؛ فإن الناس دائمًا يسألون ولي الأمر ما لا يصلح بذله من الولايات، والأموال والمنافع والأجور، والشفاعة في الحدود وغير ذلك، فيعوضهم من جهة أخري إن أمكن، أو يردهم بميسور من القول، ما لم يحتج إلى الإغلاظ؛ فإن رد السائل يؤلمه، خصوصًا من يحتاج إلى تأليفه، وقد قال الله تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحي: 10] . وقال الله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَي حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا} [الإسراء: 26: 28] .

وإذا حكم على شخص فإنه قد يتأذي، فإذا طيب نفسه بما يصلح من القول والعمل كان ذلك تمام السياسة، وهو نظير ما يعطيه الطبيب للمريض، من الطب الذي يسوغ الدواء الكريه، وقد قال الله لموسي عليه السلام ـ لما أرسله إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَي} [طه: 44] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، وأبي موسي الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ لما بعثهما إلى إلىمن: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا) . وبال مرة أعرابي في المسجد فقام أصحابه إليه، فقال: (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله، ثم أمر بدلو من ماء فصب عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) ، والحديثان في الصحيحين.

وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ورعيته؛ فإن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة. ألا تري أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان؟ حتى لو /اضطر إلى الميتة وجب عليه الأكل عند عامة العلماء، فإن لم يأكل حتى مات دخل النار؛ لأن العبادات لا تؤدي إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ولهذا كانت نفقة الإنسان على نفسه وأهله مقدمة على غيرها، ففي السنن عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا) . فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار. فقال: (تصدق به على نفسك) . قال: عندي آخر. قال: (تصدق به على زوجتك) . قال: عندي آخر. قال: (تصدق به على ولدك) . قال: عندي آخر. قال: (تصدق به على خادمك) . قال: عندي آخر. قال: (أنت أبصر به) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك) . وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يابن آدم، إنك إن تبذل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت