فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 169

الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى). وهذا تأويل قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] أي: الفضل.

وذلك لأن نفقة الرجل على نفسه وأهله فرض عين، بخلاف /النفقة في الغزو والمساكين؛ فإنه في الأصل إما فرض على الكفاية، وإما مستحب؛ وإن كان قد يصير متعينًا إذا لم يقم غيره به، فإن إطعام الجائع واجب؛ ولهذا جاء في الحديث: (لو صدق السائل لما أفلح من رده) . ذكره الإمام أحمد، وذكر أنه إذا علم صدقه وجب إطعامه.

وقد روي أبو حاتم البستي في صحيحه حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ الطويل، عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ الذي فيه من أنواع العلم، والحكمة ـ وفيه: أنه كان في حكمة آل داود عليه السلام: (حق على العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات) ، فبين أنه لابد من اللذات المباحة الجميلة، فإنها تعين على تلك الأمور.

ولهذا ذكر الفقهاء: أن العدالة هي الصلاح في الدين والمروءة، باستعمال ما يجمله ويزينه، وتجنب ما يدنسه ويشينه. وكان أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ يقول: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل، لأستعين به على الحق. والله ـ سبحانه ـ إنما خلق اللذات والشهوات في الأصل لتمام مصلحة الخلق؛ فإنه بذلك يجتلبون ما ينفعهم، كما خلق الغضب ليدفعوا /به ما يضرهم، وحرم من الشهوات ما يضر تناوله، وذم من اقتصر عليها. فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق، فهذا من الأعمال الصالحة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في بُضْع أحدكم صدقة) . قالوا: يارسول الله، أيأتي أحدنا شهوته يكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أما يكون عليه وزر؟) قالوا: بلي. قال: (فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال) . وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها في في امرأتك) . والآثار في هذا كثيرة.

فالمؤمن إذا كانت له نية، أتت على عامة أفعاله، وكانت المباحات من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته، والمنافق ـ لفساد قلبه ونيته ـ يعاقب على ما يظهره من العبادات رياء، فإن في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب) .

وكما أن العقوبات شرعت داعية إلى فعل الواجبات، وترك المحرمات، فقد شرع ـ أيضًاـ كل ما يعين على ذلك. فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة، والإعانة عليه، والترغيب فيه بكل ممكن، مثل أن يبذل /لولده، وأهله، أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح، من مال، أو ثناء، أو غيره؛ ولهذا شرعت المسابقة بالخيل، والإبل، والمناضلة بالسهام، وأخذ الجعل عليها؛ لما فيه من الترغيب في إعداد القوة ورباط الخيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت