الْقَبِيحَ وَيَعِيبُهُ (مُعْتَدِلُ الْأَمْرِ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّرٌ هُوَ، وَهُوَ قَوْلُهُ (غَيْرُ مُخْتَلِفٍ) عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيُّ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِمَا بِالرَّفْعِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ السِّيَاقِ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى خَبَرِ كَانَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِحَذْفِ حَرْفِ الْعَاطِفِ وَلَعَلَّ وَجْهَ الْعُدُولِ عَنِ النَّصْبِ إِلَى الرَّفْعِ أَنَّ تِلْكَ الْأَخْبَارَ الْمُتَعَاطِفَةَ أُمُورٌ تَطْرَأُ عَلَيْهِ تَارَةً وَأَضْدَادُهَا أُخْرَى، كَكَوْنِهِ يَخْزُنُ لِسَانَهُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مُعْتَدِلَ الْأَمْرِ وَمَا بَعْدَهُ فَهِيَ أُمُورٌ لَازِمَةٌ لَهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا أَبَدًا فَتَعَيَّنَ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ قَطْعُهَا عَمَّا قَبْلَهَا وَذِكْرُهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْبَدِيعِ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: وَكَانَجُمْلَةُ (مُعْتَدِلُ الْأَمْرِ) مُعْتَرِضَةً أَيْ: بِنَاءً عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَلَا يَغْفُلُ) بِالْعَطْفِ لَكِنَّ الَّذِي فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ حَذْفُ الْوَاوِ فَتَعَيَّنَ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ حَالٌ مُخَالِفٌ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الِاعْتِدَالِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مَحْفُوظَةٌ عَنْ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهَا أُمُورٌ مُتَخَالِفَةُ الْمَحَامِلِ مُتَعَارِضَةُ الْأَوَاخِرِ وَالْأَوَائِلِ فَإِنَّ ذَلِكَيَنْشَأُ عَنْ خِفَّةِ الْعَقْلِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ وَالشَّمَائِلِ، وَأَمَّا مَنْ كَمُلَتْ لَهُ الْمَحَاسِنُ فَجَمِيعُ أُمُورِهِ مُنْتَظِمَةٌ وَأَحْوَالُهُ مُلْتَئِمَةٌ وَمَآلُ اعْتِدَالِ الْأَمْرِ وَعَدَمِ اخْتِلَافِهِ وَاحِدٌ فَكَانَ الثَّانِي مُؤَكِّدًا لِلْأَوَّلِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا يَغْفُلُ بِسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ هُوَ الْمَضْبُوطُ فِي الْأُصُولِ وَالْمَعْنَى لَا يَغْفُلُ عَنْ مَصَالِحِهِمْ مِنْ تَذْكِيرِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ وَنَصِيحَتِهِمْ وَإِمْدَادِهِمْ (مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا) أَيْ: عَنْهَا بِنَاءً عَلَى مُرَاعَاةِ الْمُتَابَعَةِ، وَإِنَّ النَّاسَ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ وَإِنَّ الْمُرِيدِينَ عَلَى دَأْبِ شُيُوخِهِمْ وَالتَّلَامِيذَ عَلَى طَرِيقَةِ أُسْتَاذِيهِمْ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يَغْفُلُوا عَنِ الِاسْتِفَادَةِ فَيَقَعُوا فِي عَدَمِ الِاسْتِقَامَةِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى وَزْنِ يَعْلَمُ وَمَخَافَةَ أَنْ يَفْعَلُوا كَذَلِكَ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَفْعَلُ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ مَخَافَةَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِمْ (وَيَمَلُّوا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنَ الْمَلَالَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) .
وَفِي نُسْخَةٍ (أَوْ يَمَلُّوا) بِكَلِمَةِ"أَوْ"لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: لِلشَّكِّ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِثُبُوتِ أَصْلِ الْفِعْلِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ وَفِي نُسْخَةٍ (أَوْ يَمِيلُوا) مِنَ الْمَيْلِ أَيْ: يَمِيلُوا إِلَى الدَّعَةِ وَالرَّفَاهِيَةِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُهُ نَفْيُ الْغَفْلَةِ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ جَعَلَهُ أَصْلًا وَالْبَاقِيَ نَسْخًا (لِكُلِّ حَالٍ) أَيْ: مِنْ أَحْوَالِهِ وَغَيْرِهِ (عِنْدَهُ عَتَادٌ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ الْعُدَّةُ وَالتَّأَهُّبُ مِمَّا يَصْلُحُ لِكُلِّ مَا يَقَعُ يَعْنِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَعَدَّ لِلْأُمُورِ أَشْكَالَهَا وَنَظَائِرَهَا كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَعَدَّ لِكُلِّ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ وَدَلِيلًا مِنْ أَدِلَّةِ الْإِسْلَامِ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مُسْتَعِدًّا لِجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ (لَا يُقَصِّرُ) مِنَ التَّقْصِيرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الصَّادِ مِنَ الْقُصُورِ، وَهُوَ الْعَجْزُ وَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ يَقَعُ مِنْهُ تَقْصِيرٌ عَمْدًا وَلَا قُصُورٌ خَطَأً (عَنِ الْحَقِّ) أَيْ: عَنْ إِقَامَةِ الْحَقِّ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِحَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ لِصَاحِبِهِ إِنْ عَلِمَ مِنْهُ شُحًّا فِيهِ وَلَا يُعْطِي فِيهِ